تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٦

3 - التدرُّج في التشريع:

جاء الإِسلاَم والعرب في إباحة واسعة، يكرهون كُلَّ ما يقيِّد حُرِّيَّتهم وشهواتهم، وقد تمكَّنت من نفوسهم عادات كثيرة لا يستطيعون التحوُّل عنها بسهولة، فاقتضت الحكمة الإِلهِيَّة ألاَّ يفاجؤوا بالأحكام جملة، وَإِنَّمَا بالتدرُّج، كما سبق بيانه.

2 - السنَّة النَّبَوِيَّة(1):

تُعرَّف السنة بِأَنَّهَا: ما أُثر عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير.

وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع، سواء منها المتواتر أم الآحادي. وضلَّ قومٌ أنكروا أن يكون غير المتواتر سنَّةً، بدعوى الاكتفاء بالقرآن، بشتَّى الشبه والدعاوى الواهية. وقد نبَّه الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، إلى هَؤُلاَءِ بقوله: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»(2). وليس هَذَا المقام مقام التفصيل فيه(3).

من أجل ذَلِكَ كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يحثُّ أصحابه عَلَى حفظ سنَّته، فقد دعا للحافظين بقوله: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»(4). وقد حرص الصحابة عَلَى حفظها، فكانوا يلازمونه، ويراقبون أفعاله، ويتناوبون عَلَى مجلسه، فيبلِّغ الشاهد منهم الغائبَ، كما كان من عمر بن الخطَّاب مع جاره الأنصاري، وهما من سُكَّان عوالي المدينة.

هَذَا في الأمور العَامَّة، أَمَّا في الأمور الخَاصَّة بالحياة الزَّوجِيَّة وشؤون المرأة، فقد كان الرجال يسألون عنها الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - تارة، وتارة يرسل أحدهم امرأته لتسأل إحدى زوجاته، وقد تسأل النساءُ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فيجيبهنَّ، أو يحيلهنَّ عَلَى إحدى زوجاته للتوضيح(5).

(1) الأشقر: تاريخ الفقه، ص 48 - 55.

(2) رواه الترمذي في كتاب العلم، باب ما نُهي عنه أن يقال عند حديث النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، رقم 2663، 5/ 37. وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».

(3) ينظر: القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص77 - 79.

(4) رواه الترمذي وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». كِتَاب العلم عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في الحثِّ عَلَى تبليغ السماع، رقم 2657، 5/ 34.

(5) من ذَلِكَ ما روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْحَيْضِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ، قَالَ: تَأْخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِينَ بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: تَوَضَّئِي، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: تَوَضَّئِينَ بِهَا. [ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبَّحَ وَأَعْرَضَ عَنْهَا] قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَذَبْتُهَا إِلَيَّ فَعَلَّمْتُهَا. البخاري: كتاب الاعتصام بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل، رقم: 6924، 6/ 2678. وما بين معقوفين زيادة من النسائي، كتاب الغسل والتيمم، باب العمل في الغسل من الحيض، رقم 427، 1/ 207. والفرصة: «القطعة من الصوف أو القطن». ابن سلام: الغريب، 1/ 62.

٢٦ / ١٠٩