تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٧وقد لازمه نحو أربعة آلاف رجل وامرأة مُدَّة عشرين سنة، يلاحظون أقواله وأفعاله، وكان أهل الصفَّة يلازمونه بالمسجد، وبلغ عددهم سبعين، منهم أبو هريرة. وعند خروجه من المدينة يخرج معه المئات والآلاف، ففي فتح مَكَّة كان عددهم عشرة آلاف، وفي تبوك ثلاثون ألفا، وفي حجَّة الوداع كانوا مائة ألف.
تدوين السنَّة:
كان أغلب العرب أُمِّيِّين لا يكتبون ولا يقرؤون، إِلاَّ أَنَّهُم كانوا حفَّاظ من أَوَّل سماع. ومن أجل هَذَا نهى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عن تدوين سنَّته أَوَّل الأمر، حَتَّى لا تختلط بالقرآن، وَحَتَّى لا يشغلهم ذَلِكَ عن مَهَمَّات خطيرة أنيطت بهم، فقال: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ [ … ] مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(1).
ثُمَّ أذن - صلى الله عليه وسلم - في الكتابة لعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود وسعد بن عبادة وعبد الله بن أبي أوفى. فالكتابة كانت جهدا فرديًّا، ويستفاد من بعض الروايات أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أذن في الكِتَابة إذنا عامًّا بعد أن أُمن اختلاط السُّنَّة بالقرآن، ولم تدوَّن السنة كُلُّهَا، إذ كان الاعتماد عَلَى الحفظ، وَلَكِنَّ الصحابة في مجموعهم كانوا يحفظونها كُلَّهَا(2).
وَمِمَّا ذُكر أَنَّهُ كُتب في عهد الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، ما كُتب «لأبي شاه، وصحيفة علي - رضي الله عنه -، وحديث كِتَاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كِتَاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر - رضي الله عنه - أنسا - رضي الله عنه -، حين وجَّهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أَنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب»(3).
3 - اجتهاد الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -(4):
هل كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يجتهد فيما لم يوحَ إِلَيْهِ؟
يجب التفريق بين أمور الحياة التي سبيلها التجربة والدربة والتدبير الإنساني، كشؤون الزراعة والطب والتخطيط الحربي، وبين الأمور التي لا تعرف إِلاَّ بالوحي. كما أَنَّ أفعاله - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن تكون باعتباره رسولا مبلِّغا، أو رئيس دولة، أو قاضيا(5) …
(1) روه مسلم في كِتَاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كِتَابة العلم، رقم 3004، 4/ 2298.
(2) ينظر مناقشة الآثار الواردة في الموضوع: القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص80 - 83. وينظر كِتَاب تقييد العلم للخطيب البغدادي، فقد جمع فيه نصوص منع الكتابة ونصوص إباحتها.
(3) القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص81.
(4) ينظر: الأشقر: تاريخ الفقه، ص. القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، 83 - 85.
(5) ينظر: ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلاَمِيَّة، ص30 - 39.