تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢٨

أَمَّا الأمور الدُّنيَوِيَّة فقد أجمع العلماء عَلَى أَنَّهُ كان يجتهد فيها، فقد أراد أن يصالح غطفان عَلَى ثلث ثمار المدينة، ونصح الصحابة بترك تأبير النخل، واختار في غزوة بدر مكان النزول الأَوَّل، حَتَّى أشار عَلَيْهِ الحُباب بن المنذر بتغيير المكان … وفي هَذِهِ الأمور يمكن أن يصيب فيها ويخطئ، إذ ليست أحكاما شَرعِيَّة.

واختلفوا في حكم اجتهاده في الأمور الدِّينِيَّة، من أحكام العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والقضاء بين الناس. فاستدل المانعون بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 - 4)، وَبِأَنَّهُ كان إذا سئل ينتظر الوحي، وَإِلىَ هَذَا ذهب ابن حزم والظاهرية، وَبَعض المعتزلة.

وأجاب المثبتون لاجتهاده ـ وهم جمهور العلماء ـ بِأَنَّهُ كان يسكت في بعض الأحيان إذا لم يظهر له الحكم. وَاستَدَلُّوا عَلَى جواز اجتهاده بِأَنَّهُ إذا كان الاجتهاد جائزا لغيره من الأُمَّة، مع كونه معرَّضا للخطأ، فلأَنْ يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى(1). وَاستَدَلُّوا عَلَى وقوعه بِعِدَّةِ أَدِلَّة، منها:

- استثناء الإذخر عند فتح مَكَّة في قوله: «مَكَّةُ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ، لاَ تَحِلُّ لُقْطَتُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا». فَقَالَ عَمُّهُ العَبَّاسُ: إِلاَّ الإِذْخِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرُ»(2). فهو لم ينتظر الوحي لهذا الاستثناء.

- قبوله الفدية في أسرى بدر، فلامه رَبُّهُ بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيءٍ اَنْ يَّكُونَ لَهُ، أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 67).

- قوله للمجادِلة خولة بنت ثعلبة وقد ظاهر منها زوجها: «ما أراك إِلاَّ قد حرمت عَلَيْه»، ثُمَّ أُنزل عَلَيْهِ حكم الظهار في سورة المجادلة.

- استعماله للقياس في قوله للمرأة التي أَتَتْه فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ»(3).

«ومع هَذَا فيمكننا ألاَّ نعتبر الاجتهاد في عصره مصدرا مستقلاًّ من مصادر التشريع، إذ إِنَّكَ تعلم أَنَّ اجتهاد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يرجع في نهايته إِلىَ الوحي، فإذا كان صوابا أُقرَّ عَلَيْهِ، وإن كان غير ذَلِكَ نبِّه إِلىَ وجه الخطأ فيه»(4).

4 - اجتهاد الصحابة في العهد النبوي:

لا شَكَّ أَنَّ الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنهُم كانوا يجتهدون في فهم الأحكام وتطبيقها، وإذا عرض لأحدهم عارض

(1) إرشاد الفحول، ص256.

(2) رواه الربيع بن حبيب، في كِتَاب كِتَابُ الْحَجِّ، بَاب [2] فِي الْمَوَاقِيتِ وَالْحَرَمِ، رقم 398. قَالَ الرَّبِيعُ: لاَ يُعْضَدُ أَيْ لاَ يُقْطَعُ وَالْخَلاَ: الْكَلأُُ، وَالإِذْخِرُ نَبْتٌ يُصْنَعُ مِنْهُ الْحُصُرُ، وَتُسَقَّفُ مِنْهُ الْبُيُوتُ.

(3) مسلم: كِتَاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الْمَيِّت، رقم 1148، 2/ 804.

(4) السايس: تاريخ الفقه، ص41.

٢٨ / ١٠٩