تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٩وهو بعيد عن الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - اجتهد رأيه. فقد اجتهد بعضهم في القبلة عندما خفيت عَلَيْهِم. وتمعَّك عَمَّار بن ياسر في التراب للجنابة قبل نزول التيمم. وعند التوجُّه إِلىَ بني قريظة قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بِاللهِ واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إِلاَّ في بني قريظة»، فصَلاَّها بعضهم عند وقتها في الطريق، حاملا كلامه - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَنَّهُ حثٌّ عَلَى الإسراع، وصلاها آخرون عند بني قريظة، بعد خروج وقتها، التزاما بلفظه - صلى الله عليه وسلم -، فأقرَّهم النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - جميعا.
وكان عليه السلام يمرِّن أصحابه ويرشدهم إِلىَ الاجتهاد، كقوله لَمَّا سُئِلَ عَنِ الزكاة في الْحُمُرِ فَقَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»(1). فبيَّن بهذا الجواب كَيفِيَّة اندراج الجزئيِّ في الكُلِّيِّ، وَأَنَّ العامَّ حجَّة، وَأَنَّهُ يُعمل به قبل ورود المخصِّص.
ومن ذَلِكَ إقراره لمعاذ بن جبل وقد أرسله إِلىَ اليمن فقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدْرَهُ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ»(2).
ومن ذَلِكَ أَيضًا أَنَّ رَجُلَيْنِ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا مَاءً فِي الْوَقْتِ، فَتَوَضَّأَ أَحَدُهُمَا وَأَعَادَ صَلاَتَهُ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، فَسَأَلاَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَمَّا أَنْتَ فَلَكَ الأَجْرُ مَرَّتيْنِ»(3).
ومن ذَلِكَ إقراره للصحابي الذي رقى بالفاتحة واشترط عليها جعلا(4).
ولم يكن الصحابة يجتهدون في غيبتهم عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فحسب، بل قد يأمر بعضهم بالاجتهاد في
(1) مُتَّفَق عَلَيْهِ. البخاري في كِتَاب المساقاة، باب: شرب الناس والدوابِّ من الأنهار، رقم 2242، 2/ 835.
(2) أبو داود: السنن، كِتَاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم 3592، 3/ 303.
(3) النسائي: كِتَاب الغسل والتيمم، باب التيمم لمن يجد الماء بعد الصلاة، رقم433، 1/ 213. أبو داود: السنن، كِتَاب الطهارة، باب في المتيمِّم يجد الماء بعد ما يُصَلِّي في الوقت، رقم 338، 1/ 93.
(4) نصُّ الحديث في الصحيحين وغيرهما، واللفظ للبخاري: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللَّهِ، إِنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. البخاري: كِتَاب الإجارة، باب ما يعطى في الرقية عَلَى أحياء العرب بفاتحة الكِتَاب، رقم: 2156، 2/ 795. وفي زيادة لأحمد: لَمَّا سأل - صلى الله عليه وسلم -: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رُوعِي. أحمد: باقي مسند المكثرين، مسند أبي سعيد الخدري، رقم: 11490، 3/ 50.