تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣١الدور الثاني:
الفقه في عصر الخلفاء الراشدين(1) ومصادره
مكانة الصحابة ودورهم في حفظ الدين:
أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم الجيل المثالي، كان الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - مربِّيهم، وتعاليم القرآن موجِّها لهم. وقد أمرنا - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنة الخلفاء الراشدين، فقال: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(2).
وقد قام الصحابة أحسن قيام تجاه دين الله، فحفظوه وبلَّغوه للعالمين، وطبَّقوه عمليا، وكانت الشريعة هي المهيمنة عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، وهي المصرِّفة لأمورهم، وقد تحقَّقت الشورى في أسمى مراتبها، وكان الفقهاء هم أصحاب الشورى، وكانوا يشجِّعون المسلمين عَلَى مراقبة الحكَّام وفق مقاييس الشريعة، وكانت نصوص الشريعة غضَّة طرية لم تدخلها التأويلات والتمحُّلات المتكلَّفة(3).
تَطَوُّر الأوضاع السِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة في عصر الخلفاء الراشدين:
بِمُجَرَّدِ وفاة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، كان على المسلمين حلَّ ما يعترضهم من مشكلات بأنفسهم، ففد فقدوا مرجعيتهم التي كانت تحسم الخلاف، وهي الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -. فواجه الصحابة المشكلات الآتية:
- أولاها خلافة رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولكن لم يطل الخلاف، إذ سرعان ما اجتمعت الكلمة عَلَى أبي بكر - رضي الله عنه -، خير هَذِهِ الأُمَّة بعد نبيِّها.
- ظهور طائفتين من المرتدين، إحداها بإنكار وجوب الزكاة، والامتناع عن أدائها. والثانية بادِّعاء النبوة،
(1) هناك من يُسَمِّي هَذَا الدور دور الخلفاء الراشدين، وبالتالي فَإِنَّ مدَّته 30 سنة من بعد وفاة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، أي من سنة 11 إلى سنة 40هـ. وهناك من يُسَمِّيه دور الصحابة، وبالتالي فهو يستمرُّ حوالي نصف قرن، بحيث يصير الصحابة قِلَّةً، وتنتقل سلطة التشريع إِلىَ التابعين.
(2) أَوَّل الحديث «عَنِ الْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا بَعْدَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا … » الخ، رواه الترمذي وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». كِتَاب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الأخذ بِالسُّنَّةِ واجتناب البدع، رقم 2676، 5/ 44.
(3) ينظر: الأشقر: تاريخ الفقه، 58.
موقف فقهاء الصحابة من الحاكم يختلف عَمَّا ظهر فيما بعد ـ ولا يزالون إِلاَّ من رحم ربُّك ـ من أبواق الساسة، مبرِّرين كُلَّ ما يصدر منهم بليِّ أعناق النصوص لإرضاء ذوي النفوذ.