تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣٣تفرُّق الصحابة في الأمصار:
فضَّل عمر - رضي الله عنه - أن يبقى كبار الصحابة في المدينة ليستشيرهم في الْمُلِمَّات، وأن لا يهاجروا منها إِلاَّ لضرورة كتعليم الناس، فقد بعث ابن مسعود إلى الكوفة، وكتب إلى أهلها قائلا: «إِنِّي قد بعثت عَمَّارًا أميرا وعبد الله بن مسعود مُعَلِّمًا ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من أهل بدر وأُحُد، فاقتدوا بهما، واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي»(1).
ثُمَّ بعد اتساع رقعة الدولة الإِسلاَمِيَّة، ودخول الناس في الإسلام أفواجا احتاجوا إلى من يعلِّمهم أمور دينهم، فكانت حواضر العالم الإِسلاَمِيِّ آنذاك مراكز عِلمِيَّة، تتأثَّر بطريقة من نزل فيها من فقهاء الصحابة، وهي كالآتي:
- مَكَّة: خَلَّف رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيها معاذا عند فتحها يفقِّه أهلها ويعلِّمهم الحلال والحرام. ثُمَّ بعد ذَلِكَ حلَّ بها عبد الله بن عبَّاس(2)، فكان يجلس في البيت الحرام يعلِّم التفسير والحديث والفقه.
- المدينة: كانت مقرَّ الخلافة ومركز كبار الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وعائشة أمُّ المؤمنين.
- الكوفة: حلَّ بها عبد الله بن مسعود، ثُمَّ اتَّخَذَها عليٌّ مركزا للخلافة. وأقام بها أَيضًا عمَّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص.
- البصرة: أقام بها أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك.
- الشام: كان فيها معاوية وعبادة بن الصامت (في حمص)، وأبو الدرداء (في دمشق)، ومعاذ بن جبل (ت: 18هـ- في الأردن) في آخر حياته(3).
- مصر: كان فيها عبد الله بن عمرو بن العاص.
أبرز سمات الفقه في هَذَا العصر:
مات الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، وترك للمسلمين كِتَاب الله وسنَّته قائلا: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»(4). وأمام اتساع رقعة الدولة الإِسلاَمِيَّة إِلىَ فارس والشام والعراق ومصر وجد المسلمون
(1) رواه الطبراني في الكبير، رقم 8478، 9/ 86. قال المقدسي: «إسناده صحيح». الأحاديث المختارة، 1/ 208.
(2) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المطلب: ولد قبل الهجرة بسنتين. ترجمان القرآن، دعا له النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يفقِّهه في الدين ويعلِّمه التأويل. عَامَّة علمه من ثلاثة: عمر، وعليٍّ، وأبيِّ بن كعب. وَعَلَى ابن عبَّاس يدور علم أهل مَكَّة في التفسير والفقه. تُوُفِّيَ بالطائف سنة 68هـ. الخضري: تاريخ التشريع، ص116.
(3) ينظر ترجمة معاذ في الاستيعاب لابن عبد البر، رقم: 2416، 3/ 1402 - 1407.
(4) مالك: الموطأ، كِتَاب الجامع، باب ا لنهي عن ا لقول بالقدر، رقم 1395.
ورواه الربيع بزيادة كما يأتي: «أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّتِي، فَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِي سُنَّتِي، فَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ». بَاب [4] فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ وَفَضْلِهِ، رقم 30.