تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٣٤

أنفسهم أمام حوادث ووقائع لا عهد لهم بها في مختلف جوانب حياتهم.

فدعاهم ذَلِكَ إِلىَ البحث عن أحكام تلك المسائل في الكِتَاب وَالسُّنَّة، وجليٌّ أَنَّهُمَا لم ينصَّا عَلَى كُلِّ شَيْء من الحوادث والنوازل، فكان للصحابة اجتهاد بمفهومه الواسع، فقد نظروا في دلالة النصوص، وقاسوا واستحسنوا … إِلىَ غير ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُم كانوا يطلقون كلمة «الرأي» عَلَى ما يراه القلب بعد فكر وتأمُّل، ولم يكن الرأي مقصورا عَلَى القياس كما صار عند الْمُتَأَخِّرِينَ، بل كان يشمل القياس والاستحسان والبراءة الأَصلِيَّة، وسدَّ الذرائع، والمصالح المرسلة.

وَكَذَلِكَ لم يكن الفقه في هَذَا العصر خياليا يفترض الوقائع، وَإِنَّمَا كان مقصورا عَلَى ما ينزل بهم من حوادث؛ وَذَلِكَ بسبب أَنَّهُم:

- رأوا أَنَّ ذَلِكَ قاطع لهم عن أعمال الخير.

- كانوا يتورَّعون في الفتوى، ويحيل بعضهم عَلَى بعض خشية الخطإ والزلل، ومن كان هَذَا شأنه فهو أبعد عن التوسُّع في الفتوى فيما لم يكن.

- كان كثير منهم مبرَّزين في أركان الدولة وأعوانا للخلفاء، فلديهم من شؤون الدولة الإِسلاَمِيَّة وسياستها الدِّينِيَّة وَالدُّنيَوِيَّة ما يشغلهم عن الفرض والتقدير.

وقد كان أبو بكر إذا ورد عَلَيْهِ الخصوم نظر في كِتَاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، فإن لم يكن في الكِتَاب، وعَلِمَ من رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ سنَّةً قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين عن قضاء رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ، فإن لم يجد، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم عَلَى شَيْء قضى به. وكان عمر يفعل ذَلِكَ، معتمدا عَلَى القرآن وَإِلاَّ فالسنَّة وَإِلاَّ فقضاء أبي بكر، وَإِلاَّ جَمَعَ رؤوس الناس أَيضًا. وكذلك كان يفعل عبد الله بن عبَّاس، وابن مسعود - رضي الله عنهم -(1).

وَبِذَلِكَ كانت مصادر التشريع في هَذَا العصر أربعة: القرآن وَالسُّنَّة والإجماع والرأي.

أَوَّلاً - الكِتَاب:

أ - جمع القرآن ونسخه في المصاحف:

لم يفارق النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحياة حَتَّى كانت آيات القرآن كُلُّهَا مكتوبة في الرقاع والعظام وغيرها، بالإضافة إلى

(1) ينظر: ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، باب اجتهاد الرأي عَلَى الأصول عند عدم النصوص. والقطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص108 - 109.

٣٤ / ١٠٩