تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٣٥

حفظها في الصدور. لَكِنَّهَا لم تُجمع في مصحف واحد، والحكمة من ذَلِكَ أَنَّهُ ما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - حَيًّا فهو ينتظر نزول الوحي عَلَيْه. وبعد وفاته طرأت أمور، اضطرَّ أبو بكر إلى جمعه في مصحف واحد كما سيأتي:

1 - جمع أبي بكر للقرآن(1):

في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، لَمَّا كانت وقعة اليمامة ضِدَّ المرتدِّين، والتي قتل فيها كثير من القرَّاء، أشار عمر عَلَى أبي بكر بجمعه في الصحف خشية أن يذهب بذهاب القرَّاء، فتردَّد أبو بكر أَوَّل الأمر؛ لأَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ثُمَّ ارتاح لرأي عمر لِمَا فيه من المصلحة. وكان أن أحضر زيد بن ثابت لأَنَّهُ كان ألزم الصحابة لمجلس الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، ومن أحفظهم للقرآن، وأقنعه بوجوب جمعه، فجمعه(2). وقد اتَّبَعَ زيد في عمله هَذَا منهجا دقيقا جِدًّا في التحقيق العلمي، إِلىَ أبعد حدود الدقة(3).

وهنا يجدر التعليق عَلَى قول زيد: «حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ … ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ»(4).

(1) يحاول المستشرق بلاشير ـ كعادة المستشرقين ـ التشكيك في مصداقية ما قام به الخليفة أبو بكر، إذ اعتبر هَذَا الجمع عملا شخصيًّا لأبي بكر، لا بصفته خليفة للمسلمين، وغرضه من ذَلِكَ أن يوهم أَنَّ المصحف المجموع ليس أثبت من بعض القراءات الشاذَّة. والجواب عَلَى هَذَا بِعِدَّةِ أمور:

1 - أَنَّ المبادرة لم تكن في بداية الأمر من أبي بكر، بل كانت من عمر.

2 - لا معنى لأن يجمع القرآن في المصحف وهو يحفظه من الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، وقد اتَّخَذَه منهجا في حياته ووجدانه فالقرآن يسري كالدم في عروقه، فلا حاجة له إِلىَ هذه الكِتَابة.

3 - نحن لا ننكر وجود محاولات شَخصِيَّة عند صحابة آخرين لكتابة القرآن، منذ عهد النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعده. وَلَكِن لو كان ما قام به أبو بكر عملا شخصيا لانتقل المصحف إِلىَ ورثته لا إِلىَ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.

(2) جاء في صحيح البخاري: عَنْ عُبَيْدِ بن السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بن ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ [أي: سعف النخل، وحجارة رقيقة بيضاء] وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ … ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ». كِتَاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم 4603.

(3) محَمَّد حسين هيكل: أبو بكر الصديق، الطبعة الرابعة، ص343.

(4) تَقَدَّمَ تخريجه في الهامش السابق.

٣٥ / ١٠٩