تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣٦وَعَلَى قوله: «فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنْتَظِرُ﴾ فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ»(1).
فهل هَذَا يعني أَنَّ هَذِهِ الآيات ليست متواترة؟! للعلماء جوابان عن هَذَا الإيهام:
أَوَّلهما: ما ذكره ابن حجر، وهو أَنَّ المراد أَنَّهُ لم يجدها مكتوبة، لأَنَّهُ ـ كما روت كتب السنة ـ لم يكن يكتفي بالحفظ، وَإِنَّمَا يتثبَّت بِالكِتَابة(2).
ثانيهما: ما ذكره الأشقر(3) أَنَّهُ لم يجدها متلقَّاة من الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من غير واسطة إِلاَّ عند خزيمة وأبي خزيمة، وقد يكون في الصحابة من تلقاها مباشرة وَلَكِنَّهُ غائب في ذَلِكَ الوقت.
وسواء أكان الأمر هَذَا أم ذاك فَإِنَّهُ لا إشكال في كلام زيد؛ لأَنَّهُ من الثابت يقينا أَنَّ القرآن كان محفوظا كُلُّهُ في صدور عدد من الصحابة، منهم زيد بن ثابت نفسه، وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ في قوله: «كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ بِهَا». وكان تتبُّعه للرجال دَلِيلاً عَلَى زيادة التثبُّت والاستظهار(4).
2 - جمع الأُمَّة عَلَى هَذَا المصحف:
كانت الصحف المكتوبة في بيت بالمدينة المنورة، أَمَّا العالم الإِسلاَمِيُّ فهو في اتِّساع مستمرٍّ، ولم يكن فيه ما يرجع الناس إِلَيْهِ إِلاَّ المحفوظ في الصدور، فظهر الاختلاف في قراءة القرآن، واحتدَّ الخلاف في عهد الخليفة عثمان بن عفان، فخشي الصحابة ـ وعلى رأسهم حذيفة بن اليمان ـ أن يصيب المسلمين مثلُ ما أصاب به اليهود والنصارى من الاختلاف، وأرسل عثمان إِلىَ جماعة من الصحابة، ـ وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ـ وطلب منهم أن ينسخوا عِدَّة نُسَخ من المصحف الذي جُمع في عهد أبي بكر والذي كان عند حفصة، وقال لهم: إذا اختلفتم في شَيْء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش. ثُمَّ أرسل إِلىَ كُلِّ ناحية بنسخة، وأمر الصحابة بإحراق ما عدا هَذِهِ النُّسخ(5)، وأصبحت هَذِهِ النُّسخ هي مرجع الناس،
(1) رواه البخاري، كِتَاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم 3823. وَكِتَاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، حديث 4702، 4/ 1908.
(2) ابن حجر: فتح الباري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379، 9/ 15 - 16.
(3) تاريخ الفقه، ص61 - 62.
(4) الاستظهار في اللغة هو الاحتياط والاستيثاق، قال ابن منظور: «وهو مأْخوذ من الظِّهْرِيّ، وهو ما جَعَلْتَه عُدَّةً لحاجتك. قال الأَزهري: وإِتخاذُ الظِّهْرِيِّ من الدواب عُدَّةً للحاجة إِليه احتياطٌ لأَنه زيادة على قدر حاجة صاحبهِ إِليه، وإِنما الظِّهْرِيُّ الرجلُ يكون معه حاجتُه من الرِّكاب لحملوته، فيَحْتاطُ لسفره ويُعِدُّ بَعِيرًا أَو بعيرين أَو أَكثر فُرَّغًا تكون مُعدّةً لاحتمال ما انقَطَعَ من ركابه أَو ظَلَع أَو أَصابته آفة، ثم يقال: استَظْهَر ببعيرين ظِهْرِيّيْن محتاطًا بهما ثم أُقيم الاستظهارُ مُقامَ الاحتياط في كل شيء، وقيل: سمي ذلك البعيرُ ظِهْرِيًّا لأَنَّ صاحبَه جَعَله وراء ظَهْره فلم يركبه ولم يحمل عليه وتركه عُدَّةً لحاجته إِن مَسَّت إِليه». لسان العرب، 4/ 528.
(5) روى البخاريُّ «أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى!. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ. فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ. وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ». البخاري، كِتَاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، حديث 4702، 4/ 1908.