تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٣٧

وَبِذَلِكَ قضى عَلَى ذَلِكَ النزاع والاختلاف في مهده، وكان ذَلِكَ سنة 25هـ(1).

والتساؤل المطروح: هل كان ما جمعه عثمان متضمِّنا للأحرف السبعة التي نزل القرآن بها؟ أم أَنَّهُ اكتفى بحرف واحد وألغى الأخرى؟ أم أَنَّهُ بعث إلى كُلِّ ناحية بأحد تلك الأحرف؟ أقوال للعلماء(2).

ب - تفاوت الصحابة في فهم القرآن:

كان القرآن الكريم المرجع الأَوَّل للمفتين، ورغم أَنَّ القرآن نزل بلسانهم، إِلاَّ أَنَّهُم كانوا متفاوتين في فهمه بسبب ما يلي:

- تفاوتهم في درجتهم العِلمِيَّة، فقد كانوا كالإخاذ(3)، كما قال مسروق: «لقد جالست أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، فوجدتهم كالإخاذ، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله بن مسعود من ذلك الإخاذ»(4).

- معرفة بعضهم بأسباب النزول دون بعض، ومن أمثلة ذَلِكَ ما روي أَنَّ رجلا فَسَّرَ قَوله تَعَالىَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10)، بِأَنَّ الناس يوم القيامة يأتيهم دخان فيأخذ أنفاسهم حَتَّى يأخذهم كهيئة الزكام، فقال ابن مسعود: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، إِنَّمَا كان هَذَا لأَنَّ قريشا استعصوا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فدعا عَلَيْهِم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد، فكان الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجهد(5).

(1) الأشقر: تاريخ الفقه، ص63 - 64. القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص111 - 113.

(2) ينظر: أ/ بكير بن محمد الشيخ بالحاج: توثيق القرآن الكريم، دورية الحياة، ع: 6، ص: 93. المصاحف العثمانية والأحرف السبعة (في نزول القرآن على سبعة أحرف)، ع: 8، ص: 11. ع: 9، ص: 09. القطَّان: تاريخ التشريع، ص111 - 113.

(3) هو مجتمع الماء، شبيه بالغدير. ابن منظور: لسان العرب، 3/ 474.

(4) ابن سعد: الطبقات، 2/ 343.

(5) نصُّه عند البخاري: «عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَفَزِعْنَا، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَغَضِبَ فَجَلَسَ، فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ لاَ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلاَمِ، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: “اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ”، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ، فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ … عَائِدُونَ﴾ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يَوْمَ بَدْرٍ وَ لِزَامًا يَوْمَ بَدْرٍ ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إِلَى ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وَالرُّومُ قَدْ مَضَى». كِتَاب تفسير القرآن، باب فلا يربو عند الله من أعطى عطية يبتغي أفضل منه، رقم 4496.

٣٧ / ١٠٩