تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣٨- التفاوت في التضلُّع في غريب اللغة، والإحاطة بأشعار العرب، فقد تساءل عمر بن الخطاب في إحدى خطبه عن معنى التخوُّف، حَتَّى أجابه أحد شيوخ هذيل، بِأَنَّهُ الهلاك شَيْئًا فَشَيْئًا(1).
- تفاوتهم في قُوَّة الفهم، فَإِنَّ الصحابة لَمَّا نزل قَوله تَعَالىَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3)، فرحوا لظنِّهم أَنَّهَا مُجَرَّد بشرى بكمال الدين، وَلَكِنَّ عمر بكى، وفهم أَنَّهَا نعيٌ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيا - السنَّة:
كان الصحابة إذا أعياهم العثور عَلَى حكم الحادثة في القرآن لجأوا إِلىَ السنَّة، وهي لم تكن مدوَّنة آنذاك، بل كانت محفوظة في صدورهم، منهم المكثر ومنهم المقلُّ، ومنهم من يحضر مجلسا لا يحضره آخر، فيسمع ما لا يسمعه غيره.
ولم تكن رواية الحديث شائعة في هَذَا العصر كشيوعها فيما بعد، وَذَلِكَ لأَنَّ أبا بكر وعمر ـ خَاصَّةً ـ كرها كثرة الرواية، خشية عِدَّة أمور:
1 - أن يدخل الخطأ والتحريف إِلىَ السنة من غير قصد، بل بسبب النسيان أو الخطأ في تحمُّل الرواية.
2 - أن يُكذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، خَاصَّةً مع دخول بعض من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، وَهَؤُلاَءِ لم يخل منهم عصر، وحسبنا أَنَّ المدينة لم تخل من المنافقين في العهد النبوي.
3 - أن يصدَّهم ذَلِكَ عن القرآن.
عن قرظة بن كعب قال: لَمَّا سيَّرنا عمر إلى العراق، فمشى معنا عمر وقال: أتدرون لم شيَّعتكم؟ قالوا: نعم، تكرمة لنا، قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث، فتشغلوهم، جرِّدوا القرآن، واقلُّوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم، فَلَمَّا قدم قرظة بن كعب قالوا: حدِّثْنا، فقال: نهانا عمر …
وسئل أبو هريرة: أكنت تحدِّث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدِّث في زمان عمر مثل ما أحدِّثكم لضربني بمخفقته(2).
طرق الصحابة في العمل بِالسُّنَّةِ:
لا خلاف في أَنَّ الحديث إذا ثبت وصحَّ عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وجب الأخذ به والعمل بمقتضاه. وَلَكِن لَمَّا اختلفت طرق إسناده بين ما رواه الجمُّ الغفير وما رواه الآحاد، استدعى انقسامه إِلىَ متواتر وآحاد. وما كان راويه
(1) قال القرطبي: «وقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: يأيها الناس، ما تقولون في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أو يأخذهم على تخوف﴾؟ فسكت الناس، فقال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا ياأمير المؤمنين، التخوف التنقص … فقال [عمر] أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال نعم … قال عمر: يا أَيُّهَا الناس، عليكم بديوانكم شعر الجَاهِلِيَّة، فإنَّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم». القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 10/ 110 - 111.
(2) ابن القيسراني أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: تذكرة الحفاظ، تحقيق: حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، ط1، دار الصميعي، الرياض، 1415هـ.، 1/ 7. والمخفقة هي الدِّرَّة. ابن قتيبة: الغريب، 2/ 526.