تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣٩موثوقا أو مطعونا استدعى انقسامة إِلىَ صحيح وحسن وضعيف.
فالمتواتر مقبول إجماعا، أَمَّا الآحاد فقد اختلفت طرق الصحابة في قبوله:
1 - فلم يكن أبو بكر وعمر يقبلان من الأحاديث إِلاَّ ما شهد اثنان أَنَّهُمَا سمعاه من رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. من ذَلِكَ ما رواه الترمذيُّ في سننه: «عَنْ قَبِيصَةَ بن ذُؤَيْبٍ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، قَالَ فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَيْءٌ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْر … »(1).
ومن ذَلِكَ ما رواه مسلم عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا، قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلاَثًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَإِلاَّ أَوْجَعْتُكَ!. فَقَالَ أُبَيُّ بن كَعْبٍ: لاَ يَقُومُ مَعَهُ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ فَاذْهَبْ بِهِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ فَشَهِدْتُ»(2).
2 - وكان عليٌّ يستحلف الراويَ، إِلاَّ أبا بكر كان يقبل روايته دون استحلافه.
3 - وَرُبَّمَا رَدَّ الصحابيُّ الحديث فلم يعمل به، إِمَّا لضعف ثقته بالراوي، أو لعلمه بنسخه، أو لمعارضته لِمَا هو أقوى منه في نظره، ومن أمثلة ذَلِكَ:
- أَنَّ أبا هريرة روى: «من حمل جنازة فليتوضأ»، فلم يأخذ به ابن عبَّاس وقال: لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة(3).
- قالت فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً، بعد أن طلَّقها زوجها طلاقا بائنا، إِلاَّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾(4).
- عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ:
(1) وتمامه: «ٍقَالَ: ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ هُوَ ذَاكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا». رواه الترمذي وقال: «وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ». كِتَاب الفرائض عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في ميراث الجدَّة، حديث 2101.
(2) مسلم: كِتَاب الآداب، باب الاستئذان، حديث 2153.
(3) لم أعثر عَلَيْهِ فيما بين يدي من المصادر، وقد ذكره السايس في كِتَابه: تاريخ الفقه، ص50.
(4) رواه مسلم في كِتَاب الطلاق، باب المطلَّقة ثلاثا لا نفقة لها، حديث 1480.