تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٤٠

إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ لَيُعَذَّبُ، وَإِنَّ أَهْلَهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(1).

وقد أثمرت هَذِهِ الطريقة أن لم يبلغنا وجود كذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في عهد الخلفاء الراشدين، وَلأَنَّ الصحابة موجودون بكثرة، إذ يسهل اكتشاف الكذب.

تدوين السنَّة في عهد الصحابة:

لم تدوَّن السنة كما دوِّن القرآن لسببين:

1 - لنهي الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - عن تدوين الحديث ـ إِلاَّ ما ندر ـ خشية أن يختلط بعضه بالقرآن. فقد روي «أنَّ عمر بن الخطَّاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار أصحاب رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق يستخير الله فيها شهرا، ثُمَّ أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إِنِّي كنت أريد أن اكتب السنن، وَإِنِّي ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وَإِنِّي والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا»(2).

2 - لأَنَّ كثيرا منهم لا يعرفون الكِتَابة، وكانوا يعتمدون عَلَى الحفظ.

وَهَذَا لم يمنع من وجود بعض من يكتب الحديث، فقد روي أَنَّ ابن عبَّاس كان يأتي أبا رافع، فيسأله، ومع ابن عبَّاس من يكتب ما يقول أبو رافع. وكانت لابن عبَّاس كتبٌ حملَ بعير. وورد أَنَّ لزيد بن ثابت مؤلفا في الفرائض. ولجابر بن عبد الله منسك صغير أورده مسلم في كِتَاب الحجِّ من صحيحه(3).

ثالثا - الإجماع(4):

الإجماع لغة: لَهُ معنيان: - الأَوَّل: العزم، ومنه قَوله تَعَالىَ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (يونس: 71). - الثاني: الاِتِّفَاق، يقال: أجمع القوم عَلَى كذا أي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.

والإجماع اصطلاحا هو: اتِّفَاق جميع مجتهدي هَذِهِ الأُمَّة في عصر عَلَى حكم شرعيٍّ.

فلا ينعقد الإجماع بِاتِّفَاقِ غير المجتهدين، ولا بِاتِّفَاقِ بعضٍهم دون بعض مِمَّن عاصروهم، ولا فرق في ذَلِكَ بين الخلفاء الأربعة وغيرهم، ولا بين الصحابة والتابعين، فإذا اتَّفَقَ الصحابة وخالفهم تابعيٌّ مجتهد في زمانهم لم ينعقد الإجماع، إذ العصمة من الخطإ إِنَّمَا هي للكلِّ.

والإجماع نوعان: - إجماع صريح، والجمهور عَلَى أَنَّهُ حجَّة قطعية.

- إجماع سكوتي، وهو موضع خلاف بين العلماء.

(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، واللفظ له. كِتَاب الجنائز، باب النهي عن البكاء عَلَى الْمَيِّت، حديث 1850.

(2) معمر بن راشد الأزدي: الجامع، 11/ 257.

(3) الأشقر: تاريخ الفقه، 66 - 68.

(4) السايس: تاريخ الفقه، 51.

٤٠ / ١٠٩