تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٤١

وَأَمَّا أركان الإجماع، وشروطه، وحجيته، وثبوته، وإمكانية وقوعه، فللعلماء فيها مباحث أصولية، يمكن الرجوع إليها في مظانها(1).

إِنَّ الإجماع في هَذَا الدور (عصر الصحابة) أيسر منه في العصور الْمُتَأَخِّرة؛ لأَنَّ مجتهدي الصحابة كانوا مجتمعين في دار الهجرة، فَإِنَّ عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ رأى ألاَّ يسمح لكبار الصحابة بمغادرة المدينة والهجرة إِلىَ الأقطار المفتوحة إِلاَّ للضرورة القصوى، فلم يكثر تفرُّقهم في الأمصار إِلاَّ في عهد عثمان رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فكان من السهل اجتماعهم للتشاور وتبادل الرأي ليصلوا إِلىَ الإجماع.

وهذه أمثلة مِمَّا وقع فيه الإجماع في هَذَا العصر(2):

- مبايعة أبي بكر بالخلافة، بعد اختلافهم بشأنها في سقيفة بني ساعدة، وكانت مبادرة عمر - رضي الله عنه - حاسمةً للخلاف.

- قتال المرتدين مانعي الزكاة، وقد أبى عمر - رضي الله عنه - من ذلك أَوَّل الأمر؛ لأَنَّهُم مقرُّون بالشهادتين، فما زال أبو بكر يراجعه حَتَّى شرح الله صدره للقتال، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الصحابة(3).

- منع الميراث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد جاءت فاطمة تطلب من أبي بكر ميراثها من أبيها رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأبى، بناء عَلَى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»(4).

- موضع دفن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو مكان موته، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلاَّ دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ»(5).

(1) ينظر: د. أحمد حمد: الإجماع بين النَّظَرِيَّة والتطبيق، دار القلم، الكويت، 1403هـ/1982م. سامر إسلامبولي: الآحاد، النسخ، الإجماع، دراسة نقدية لمفاهيم أصولية، ط1، دار الأوائل، 2002، ص114 - 147.

(2) ينظر: القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص113 - 117.

(3) في الحديث الْمُتَّفَق عَلَيْهِ أَنَّهُ «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ». اللفظ للبخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، حديث رقم 1335، 2/ 507. ورواه الجماعة إِلاَّ ابن ماجه.

(4) في الحديث الْمُتَّفَق عَلَيْهِ: «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَم أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ»، يَعْنِي مَالَ اللَّهِ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ، وَذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَحَقَّهُمْ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي». كتاب المناقب، باب مناقب قرابة رسول الله، رقم: 3508، 3/ 1360.

(5) رواه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه، حديث رقم 1628، 1/ 520.

٤١ / ١٠٩