تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤٢- جمع القرآن الكريم عَلَى مصحف واحد، وقد سبق بيان ذلك.
- تحريم الجمع بين المحارم، اعتمادا عَلَى الحديث: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»(1).
رابعا - الرأي(2):
- استعمال الصحابة للرأي:
نظرا لكثرة النوازل مع محدودية النصوص، فَإِنَّهُ لم يكن للصحابة بدٌّ من استعمال الرأي؛ فكانوا إذا لم يجدوا نَصًّا من القرآن أو السنة يجتهدون، «معتمدين عَلَى ملكتهم التشريعيَّة التي حصلت لهم من مصاحبة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، والوقوف عَلَى أسرار التشريع ومبادئه العَامَّة، فتارة يقيسون، وأخرى يقضون بما تقتضيه المصلحة العَامَّة»(3). وَهَذَا ما يُسَمَّى بالرأي، وَهَذِهِ الكلمة شاملة لأنواع الأَدِلَّة، من القياس والاستحسان والاستصلاح …
وَمِمَّا استخدم فيه الصحابة الرأيَ: مسألة خلافة رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذ لم يَرِد فيها نصٌّ من كِتَاب ولا سنَّة، ثُمَّ تَمَّ الإجماع عَلَى أبي بكر قياسا للإمامة العظمى عَلَى إمامة الصلاة. وبعدها كانت قَضِيَّة قتال المرتدِّين، فقد رأى عمرُ حرمة قتالهم، فحاجَّه أبو بكر بقياس ترك الزكاة بترك الصلاة، فوافقه عَلَى قتالهم. وقاسوا حدَّ الخمر عَلَى حدِّ القذف(4).
- أشهر القائلين بالرأي:
كان عمر بن الخطَّاب أكثر الصحابة توسُّعا في الرأي وأمهرهم فيه، لِمَا تميَّز به من رجاحة العقل ونفاذ البصيرة، فحَرَم المؤلَّفة قلوبهم ما كانوا يستَحقُّونه بِنَصِّ الكِتَاب، لزوال مقتضى الاستحقاق، فقد أعزَّ الله الإسلام وأغناه، ولم يقطع يد السارق عامَ المجاعة لشبهة الاضطرار، وحرَّم المعتدَّة عَلَى من تَزَوَّجَها في العدَّة؛ لأَنَّ من تعجَّل شَيْئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وقد سار عَلَى طريقته عبدُ الله بن مسعود.
وكان عمرُ وعبدُ الله بن مسعود وزيد بن ثابت يستفتي بعضهم من بعض. وعليٌّ وأبيُّ بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض.
- الرأي بين الذمِّ والعمل به:
ورد عن بعض الصحابة ذمُّ الأخذ بالرأي، بينما رأينا أَنَّهُم استعملوه، واعتمدوه في استنباط أحكام كثيرة. فيمكن الجمع بين الموقفين بِأَنَّ القصد من ذمِّ الرأي إبعاد من لم يتأهَّل له، حَتَّى لا يجترئ الناس عَلَى القول بغير
(1) رواه الربيع بن حبيب، في كِتَابُ النِّكَاحِ، [25] بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لاَ يَجُوزُ، حديث 517.
(2) الأشقر: تاريخ الفقه، 72 - 73. السايس: تاريخ الفقه، 52 - 58.
(3) الأشقر، تاريخ الفقه، 68.
(4) انظر أمثلة أخرى لأخذ الصحابة بالرأي: القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص142 - 146.