تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤٣علم، وَأَنَّ المذموم هو اتِّبَاع الهوى من غير استناد إِلىَ أصل من الدين، أَمَّا الرأي المحمود فهو ما بيَّنه عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ لقاضيه: «اِعرِف الأشباه والأمثال، ثُمَّ قس الأمور بعد ذَلِكَ». وَيَدُلُّ عَلَى استحباب هَذَا النوع من الرأي نزولُ القرآن الكريم في عِدَّة مناسبات موافقا لرأي عمر - رضي الله عنه -.
- أشهر المفتين من الصحابة:
اشتهرت تسمية فقهاء الصحابة بالقرَّاء، وظلَّ هَذَا اللقب ملازما للفقهاء في صدر الإِسلاَمِ، وَرُبَّمَا كان سبب ذَلِكَ قِلَّة القراءة في ذَلِكَ العصر، إلى أن انتشر العلم «وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلمًا»، كما يقول ابن خلدون(1).
المكثرون في الفتوى من الصحابة سبعة: عمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أمُّ المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر.
والمتوسِّطون منهم ثلاثة عشر: أبو بكر الصدِّيق، وعثمان بن عفان، وأمُّ سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقَّاص، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وسلمان الفارسي.
والباقون مقلُّون لا يروى عن الواحد منهم إِلاَّ المسألة والمسألتان.
اختلاف الصحابة وأسبابه:
لقد نهانا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ عن التفرُّق والتنازع إذ قال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (سورة آل عمران: 103)، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 46)، وَلَكِنَّ الاختلاف في الآراء والفروع لا مناص منه، فهو من سنن الله في البشر، ولا يكون مذموما إذا استند إلى وجه من وجوه الاستدلال، إِنَّمَا الاختلاف المذموم هو الذي يكون مبنيا عَلَى الهوى أو التعصُّب، أو سببا للشقاق والشجار والهجران، أو التبديع والتفسيق والتضليل والتكفير …
ولم يكن الصحابة يختلفون في عهد الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - اختلافا مُسْتَمِرًّا،؛ لأَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - كان يحسم كُلَّ خلاف. وَأَمَّا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وعند احتياج الناس إِلىَ الاجتهاد فَلاَ بُدَّ أن يقع الاختلاف.
والمسائل التي اختلف فيها الصحابة كانت قليلة جِدًّا، ويعود ذَلِكَ إِلىَ أمور:
1 - الفقه العظيم الذي كانوا يتمتَّعون به.
2 - كانت السياسة في عهدهم تابعة للدين، لا العكس، كما في العصور التالية.
3 - قِلَّة الوقائع والمشكلات مقارنة بالعصور اللاحقة، مع اتساع رقعة الإِسلاَمِ، وتطوُّر الحياة.
(1) نقله عنه القطان في تاريخ التشريع، ص149.