تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤٥والْخُمُس للمصالح العَامَّة المذكورة في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (سورة الأنفال: 41)، فقد رأى عمر أن لا تقسَّم، بل تبقى وقْفًا بيد أهلها، ويدفعون خراجها مع الجزية لإدارة شؤون البلاد، وتحقيق مصالح العباد، بناء على عَطْفِ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالذِينَ جَآءُوا مِنم بَعْدِهِمْ … ﴾ على «الْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ» و «الذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ» المذكورين بعد قوله: ﴿مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ … ﴾ (سورة الحشر: 7 ـ9)، إذ قال: «فكيف أقسم لكم وأدَعَ من يأتي بغير قسم؟». ووافقه عَلَى رأيه عثمان وعليٌّ ومعاذ وطلحة، وخالفه عبد الرحمن بن عوف وعمَّار وبلال. وكلا الرأيين اعتمد عَلَى دَلِيل من القرآن: آية الغنيمة وآية الفيء(1).
- اختلافهم في ربا الفضل، وهو تبادل سلعتين من نفس الجنس يدا بيد مع زيادة، لتفاضل إحداهما عَلَى الأخرى في الجودة، فأجازه ابن عبَّاس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم، بناء عَلَى أَنَّ الربا في النسيئة، وهو الربا المعروف في الجَاهِلِيَّة، ومنعه بَقِيَّة الصحابة. وذُكر أَنَّ ابن عبَّاس رجع إلى رأيهم(2).
- أمضى عمر طلاق الثلاث بلفظ واحد، واعتبره في حكم ثلاث تطليقات، نظرا لتهاون الناس فيه، وقال: «إِنَّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة»، وقد كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر لا يعدُّ إِلاَّ تطليقة واحدة. ووافقه عَلَيْهِ معظم الصحابة، وخالفه بعضهم، منهم: عليٌّ وأبو موسى وابن عبَّاس …
- ذهب عُمر وابن مسعود إِلىَ أَنَّ الحامل الْمُتَوَفَّى عنها زوجها تعتدُّ بوضع الحمل، أخذا بآية الطلاق: ﴿وَأُوْلاَتُ الاَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَّضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 4)، والتي نزلت بعد آية البقرة فخصَّصتها: ﴿وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: 234). وَأَمَّا عليٌّ وابن عبَّاس فقالا: تعتدُّ بأبعد الأجلين، جمعا بين النصَّين.
- أفتى عُمر وابن مسعود بِأَنَّ المطلَّقة لا تخرج من عدَّتها إِلاَّ إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة، وأفتى زيد بن ثابت بِأَنَّهَا تخرج من العدة بِمُجَرَّدِ دخولها في الحيضة الثالثة، ومنشأ الخلاف هو اختلافهم في القرء، أهو الطهر أم الحيضة؟.
- أفتى عمر بِأَنَّ المطلَّقة إذا كانت من ذوات الأقراء وامتدَّ طهرها فَإِنَّهَا تنتظر تسعة أشهر، فإن لم يظهر بها حملٌ اعتدَّت بعد التسعة بثلاثة أشهر. وأفتى غيره بِأَنَّهَا تنتظر حَتَّى تكون آيسة فتعتدُّ بالأشهر. فعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُ نظر إِلىَ المعنى المقصود من شرع العدَّة وهو البراءة من الحمل، وبعد مرور المدَّة الغالبة لا تبقى ريبة، أَمَّا غيره فقد أخذ بظاهر النصوص، لأَنَّ هَذِهِ المعتدة من ذوات الأقراء، فعدَّتها ثلاثة قروء، فليست آيسة حَتَّى تنتقل إِلىَ الأشهر.
(1) القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص118 - 121. وأحال عَلَى كِتَاب الخراج لأبي يوسف، والأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
(2) القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص122 - 123.