تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

- كان أبو بكر يرى التسوية في العطاء بين الناس، لأَنَّهُم أسلموا لله وأجورهم عَلَى الله، وما هَذِهِ العطايا إِلاَّ للمعاش. وكان عمر يفاضل بينهم؛ إذ ليس مَن نَاصَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كمن قاتله، ولا من ترك أمواله مهاجرا كمن دخل الإِسلاَمَ مكرها.

وفي كتب الفقه نماذج كثيرة من اختلافات الصحابة يمكن الاطِّلاَع عَلَيْهَا في مظانِّها(1).

تراجم لبعض فقهاء الصحابة:

عمر بن الخطاب(2):

هو عمر بن الخطاب بن نفيل العدويُّ القرشيُّ، كان يحترف التجارة حتى شغل عنها بمصالح المسلمين أيام خلافته. كان المسلمون قبل إسلامه يجتمعون في دار الأرقم بن الأرقم المخزومي في أصل الصفا مستخفين لقلَّتهم، ولشدة قريش عليهم، وكانوا بحاجة إلى التقوِّي بذوي الجرأة والإقدام، ليستطيعوا إعلان دينهم، والدفاع عن نبيهم. وكان عمر ممن عرف بشدة البأس.

استجاب الله تعالى لدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من البعثة، فقال: يا رسول الله، علام نخفي ديننا ونحن على الحقِّ وهم على الباطل؟! وقال: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان. فخرج صادعا بالإسلام، فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بالفاروق. قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر. فما زال يدافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين حتى أذن لهم بالهجرة فهاجروا مستخفين إلا عمر، وقال للمشركين: … من أراد أن تثكله أمه، ويؤتم ولده، ويرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي. فما تبعه أحد من المشركين، وسار خلفه قوم من المستضعفين.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستشير الصحابة في بعض أموره، فكان أبو بكر وعمر أفضلهم عنده رأيًا، لصدقهما وإخلاصهما. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر». وحسبك دليلاً على فضله وغزارة علمه موافقاته للقرآن والوحي ـ وقد بلغت بضعة عشر موضعًا ـ منها أنه قال متمنيا: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية بوفقه. وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه يدخل عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرت نساءك أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، وقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل تحريمه. وأشار بقتل أسارى بدر وخالفه غيره، فنزل القرآن بتصويب رأٍيه. وقال لنساء النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حين أغضبنه: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرا منكن، فنزلت الآية.

(1) ذكر القطَّان عِدَّة نماذج أخرى غير ما أوردناه، ينظر: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص124 - 131.

(2) البخاري: التاريخ الكبير، 6/ 138. الرازي: الجرح والتعديل، 6/ 105. ابن حبَّان: الثقات، 2/ 190 … ابن حجر: التهذيب، 7/ 385 - 386. ابن حجر: الإصابة، 4/ 588 - 590 …

٤٦ / ١٠٩