تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤٧وقد أثنى عليه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - والصحابةُ ثناء حسنا.
روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 539 حديثًا(1).
روى عنه أولاده، وابن عباس، وابن مسعود وغيرهم … وترجع قلة ما روي عنه إلى أنه كان يكره الإكثار من رواية الحديث، بل لقد حبس بعض المكثرين.
وأبرز نواحي عمر العلمية: الفقه والإفتاء والعمل بالرأي.
استخلفه أبو بكر الصديق في حياته بعهد كتب له في علَّته التي توفى فيها. وفتح الله له الشام والعراق ومصر. وكانت خلافته يمنًا وبركة على المسلمين، ضرب فيها المثل الأعلى لحسن السياسة، وبعد النظر، وإقامة العدل والمحافظة على حدود الله، والقيام على مصالح الرعية. ولقد صدق الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول: إن الله جعل أبا بكر وعمر حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة.
ولعمر رضي الله عنه قوة فطرية في الحكم على الأشياء، وتصريف شؤون الدولة، ورأي ناضج في تشريع الأحكام، والرفق بالمسلمين، والاهتمام بمصالحهم. وكتابه إلى أبي موسى الأشعري ينطق بسعة علمه، وشمول عدله، وحسن سياسته، وقد اتخذ هذا الكتاب على وجازته أساسًا للقضاء الإسلامي، وقد استنبط العلماء منه عدَّة فوائد(2). فله الفضل على الأمة الإسلامية، سياسة، وفتحًا، وعدلاً، واستقامة، وقيامًا بنشر الدين والعلم، والأمن والتهذيب، وبسط النفوذ الإسلامي، وتنظيم الدولة وضبط إدارتها.
كان غاية في الزهد والتواضع، يلبس المرقع من الثياب.
(1) روى الربيع منها 26 حديثا، منها 15 في الجزءين الأولين، والبقية في مستدركات الوارجلاني على المسند أي الجزئين الأخيرين. وهي الأحاديث المرقمة كالآتي: 10 – 14 – 120 – 145 – 158 – 200 – 271 – 325 – 336 – 433 – 462 – 529 – 576 – 641 – 655 – / 700 – 780 – 787 – 793 – 805 – 847 – 848 – 849 – 901 – 929 – 930.
(2) ونصُّه عند البيهقي: «أمَّا بعد فإنَّ القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلُّمُ حقٍّ لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطيته بحقه، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر، وأجلى للعمى. ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه لرأيك، وهُديت فيه لرشدك أن تراجع الحقَّ، لأن الحقَّ قديم لا يبطل الحقَّ شيءٌ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادة، إلا مجلود في حدٍّ، أو مجرَّب عليه شهادة الزور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فإن الله عز وجل تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان. ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال والأشباه، ثم أعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحق. وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس، ثم الخصومة والتنكر، فإن القضاء في مواطن الحقِّ يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر. فمن خلصت نيته في الحق ـ ولو كان على نفسه ـ كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا». البيهقي: السنن الكبرى، 10/ 135، 150.