تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤٨مات رضي الله عنه مقتولاً بيد أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة؛ لأنه لم يخفف عنه ما فرضه عليه مولاه من الضريبة، وَذَلِكَ في ذي الحجَّة سنة ثلاث وعشرين (23هـ)، وله ثلاث وستون سنة عَلَى الراجح عند ابن حجر، أو خمس وخمسون سنة، وقيل غير ذلك، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، ودفن بجنب أبى بكر الصديق.
وفيما هو يجود بنفسه لم يدع مصالح الرعية، بل نظَّم لهم مجلسا شوريًّا للخلافة، وعين أعضاءه الستة الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض: علي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، والزبير، وبين لهم طريقة الانتخاب، وبذلك سلك طريقًا وسطا، فلم يترك الخلافة بلا عهد كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفاديا لوقوع النزاع والاختلاف، ولم يعهد بها كما عهد أبو بكر تورعًا واستبراء لدينه.
زيد بن ثابت(1):
هو أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضحاك النجاريُّ الأنصاريُّ. قدم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يحفظ من القرآن وقتئذ ست عشرة سورة. شهد الخندق وما بعدها. وأعطاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - راية بني النجار يوم تبوك، وكانت مع عمارة بن حزم، فقال عمارة: يا رسول الله، أَبَلَغَكَ عَنِّي شيء؟ قال: لا وَلَكِنَّ القرآن مُقَدَّم، وزيد أكثر أخذا منك للقرآن»(2). وكان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي والرسائل.
روي عنه أنه قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا عليَّ أو ينقصوا فتعلَّم السريانية، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. وتعلم العبرانية في خمسة عشر يومًا. وكان يكتب لأبي بكر وعمر في خلافتهما. وولي بيت المال لعثمان. وكان عمر وعثمان يستخلفانه على المدينة إذا حجَّا. وهو الذي جمع القرآن بأمر أبي بكر وعمر. كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. صحَّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للصحابة: «أفرضكم زيد». شهد له ابن عباس والشعبي على سعة علمه، وكان من أفكه الناس إذا خلا مع أهله، وأحزمهم مع قومه.
وبالجملة فقد كان واسع الاطلاع، ذا قدرة فائقة على استنباط الأحكام، ذا رأي فيما لم يرد فيه أثر. وكان في عهد عمر وعثمان مقدَّما في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة.
روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان وتسعون حديثًا. روى عنه جماعات من الصحابة، منهم ابن عباس وابن عمر وأنس وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعطاء وسليمان ابنا يسار، وجابر بن زيد(3).
توفي رضي الله عنه سنة 45هـ، وقيل غير ذلك.
(1) ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب، 2/ 537 - 540. ابن حجر: الإصابة، 2/ 592 - 594. النووي: تهذيب الأسماء، 1/ 197. الخضري: تاريخ التشريع، 98 - 99.
(2) قال ابن عبد البر: «وهذا عندي خبر لا يصح والله أعلم». الاستيعاب 2/ 537.
(3) روى عنه جابر بن زيد حديثا واحدا بالعنعنة. ينظر: المسند، حديث رقم 137.