تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٤٩

عبد الله بن عمر(1)

هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أسلم مع أبيه قبل بلوغه، وهاجر قبله إلى المدينة. شهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وشهد اليرموك وفتح مصر وَإِفْرِيقيَّة. لم يكن أحد ألزم لطريق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتبع لآثاره من ابن عمر، حتى إنه كان ينزل منازله، ويصلي في كل مكان صلى فيه، ويبرك ناقته في مبرك ناقته، ونقلوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعهدها بالماء لئلا تيبس.

وهو أحد الستة المكثرين من الحديث، روي له ألف وستمائة وثلاثون حديثًا. روى عنه الإمام جابر بن زيد(2).

أعطي ابن عمر القوة في الجهاد، والعبادة، والزهد، والمعرفة بالآخرة والإيثار لها. وكان ذكي الفؤاد فطنًا بصيرًا، ويدلك على ذلك ما وقع في القصة التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي؟ وكان ابن عمر قد فطن وأدرك أنها النخلة.

كان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقي لدينه؛ فلم يدخل في شيء من الفتن، مع كثرة ميل أهل الشام إليه، ولم يشهد مع علي شيئا من حروبه.

اعتنى بحفظ الآثار والتدقيق في نقلها. حمله الورع على ألاَّ يكثر من الفتوى، برغم أنه تصدى لإفتاء الناس ستين عامًا، فكانت ميزته العلمية كثرة الجمع ودقة النقل، لا كثرة الاستنباط، ولا وفرة الفتوى، ومن مذهبه في الفقه تفرع مذهب المدنيِّين، ثمَّ مالك وأتباعه.

قتله أعوان الحَجَّاج بمكة بعد الحجِّ سنة 73هـ عن أربع وثمانين عامًا.

عبد الله بن مسعود(3):

هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وينسب إلى أمه أحيانًا فيقال: ابن أم عبد، أسلم قديمًا قال: لقد رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا.

وهو أول من جهر بالقرآن وأسمعه قريشًا. هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدرا، وأحدًا، والمشاهد كلها، وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر، وكان شديد الملازمة، كثير الخدمة للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو صاحب سواكه ونعله، يلبسه إياه إذا قام، ويخلعه ثم يحمل في ذراعه إذا جلس، ويمشي أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا

(1) تذكرة الحفاظ، 1/ 37 - 40. ابن حبَّان: الثقات، 3/ 209. المزي: تهذيب الكمال، 15/ 332 - 340. ابن سعد: الطبقات، 4/ 142 - 187. ابن حجر: التهذيب، 5/ 287 - 288. الخضري: تاريخ التشريع، ص112.

(2) ينظر: مسند الربيع، الأحاديث رقم: 37، 75، 207، 446، 951.

(3) ابن سعد: الطبقات، 3/ 150 - 160. الذهبي: سير أعلام النبلاء، 1/ 461 - 500. المزي: تهذيب الكمال، 16/ 121 - 126. الخضري: تاريخ التشريع، ص97 - 98.

٤٩ / ١٠٩