تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٦

لأَحَدٍ ـ كَائِنًا مَنْ كَانَ ـ أَنْ يَشْرَعَ حُكْمًا، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِحُقُوقِ اللَّهِ أَوْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، لأَنَّ هَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ، وَسَلْبٌ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ نَفْسَهُ: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ … ﴾ (النحل: 116)، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ـ مَعَ عُلُوِّ مَكَانَتِهِ ـ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّشْرِيعِ وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ، وَعَلَيْهِ وَاجِبُ التَّبْلِيغِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ … ﴾ (النحل: 44)(1).

وقد أحكمت قواعد هَذِهِ الشريعة، وأقيمت أسسها، وكملت صورتها في زمن النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ تَعَالىَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، وقال: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ … ﴾ (النساء: 59)، والردُّ إِلىَ الله هو الرجوع إِلىَ كِتَابه، والردُّ إِلىَ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - هو الرجوع إِلَيْهِ في حياته، وَإِلىَ سنَّته بعد وفاته. فليس للتشريع مصدر غيرهما مهما طال الزمن، وما فعله الفقهاء من التابعين ومَن بعدَهم ليس تشريعا عَلَى الحقيقة، وَإِنَّمَا هو تطبيق للقواعد الكُلِّيَّة عَلَى الحوادث الجزئيَّة المتجدِّدة، واستنباط للأحكام من النصوص بفهمها، والقياس عَلَيْهَا.

وإذا كان مصطلح «التشريع الإِسلاَمِيِّ» يعني سنَّ القواعد وبيان الأحكام، وإنشاء القوانين، ولم بهذا المعنى لم يكن إِلاَّ في حياة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، زمن تنزُّل الوحي المتلوِّ، وهو القرآن، وغير المتلوِّ وهو السُّنَّة ـ فَإِنَّ إطلاق مصطلح “تاريخ التشريع” عَلَى حقيقته لا يتجاوز عهد النبوَّة. وَلَكِن لَمَّا كان هَذَا العلم (تاريخ التشريع) يتناول تَطَوُّر الفقه حَتَّى عصرنا هَذَا، فَإِنَّه يمكن تعريفه بِأَنَّهُ:

«هو العلم الذي يبحث عن حالة الفقه الإِسلاَمِيِّ، وعن حالة الفقهاء والمجتهدين، في عصر الرسالة وما بعده». وبهذا التعريف يمكن أن يكون مرادفا لمصطلح: «تاريخ الفقه الإِسلاَمِيِّ»، وَهَذَا الأخير أدقُّ وأدلُّ عَلَى المقصود.

الفرق بين الشريعة والفقه(2):

الفقه لغة هو الفهم، واصطلاحا هو: العلم بالأحكام الشَّرعِيَّة العَمَلِيَّة المستمدَّة من أَدِلَّتها التفصيليَّة.

كان مصطلحَا الشريعة والفقه في الصدر الأَوَّل متطابقين في المعنى، إذ كلاهما يتناول الدين كُلَّهُ بأحكامه الْعَقَدِيَّة والعَمَلِيَّة (عبادات ومعاملات)(3)، إِلاَّ أَنَّهُ في العصور الْمُتَأَخِّرَة، وحسب تعاريف الْمُتَأَخِّرِينَ صار بين

(1) الموسوعة الفِقْهِيَّة الكويتية، 1/ 17 - 18، بتصرُّف.

(2) ينظر: د. عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإِسلاَمِي، قصر الكِتَاب، البليدة، الجزَائِر، 1990، ص14 - 16. عبد الوَهَّاب حميد أوجانة: دروس في تاريخ التشريع، ص1.

(3) استعمل الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - لفظة الفقه وأراد به نصوص الحديث الشريف في قوله - صلى الله عليه وسلم - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ». (رواه الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ). والمراد بالفقيه من له القدرة عَلَى استخلاص الأحكام من النصوص. ويرى ابن خلدون أَنَّهُ قد كان يُطلِق عَلَى الفقهاء اسم القرَّاء.

وكدليل عَلَى شمولية اسم الفقه للعقائد أَيضًا تسمية أبي حنيفة للعقيدة باسم “الفقه الأكبر”. وَأَنَّ من تعريفات علم الفقه: أَنَّهُ معرفة النفس ما لها وما عَلَيْهَا. وهو كما نرى تعريف شامل لِكُلِّ واجب عَلَى الْمُكَلَّف، اعتقادا وقولا وعملا …

ينظر: الأشقر: تاريخ الفقه، ص9 - 11. التيواجني: الفقه والتشريع، ص14.

٦ / ١٠٩