تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٥٤وقد انتشر الفقه والعلم في هَذِهِ الأُمَّة ـ كما يقول ابن القيم ـ عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عبَّاس(1).
3 - اتساع الخلاف في هَذَا العصر، وظهور مدرسَتَي الرأي والحديث:
أ- اتساع الخلاف بين الفقهاء في هَذَا العصر:
اتسعت رقعة الخلاف بين الفقهاء نظرا لِمَا يلي:
- إكثار بعض العلماء من الاعتماد عَلَى الرأي، ولم يسلكوا نفس طريق الصحابة، فأخذوا يولِّدون المسائل، ويفترضون لها الحلول الشَّرعِيَّة.
- الفتن التي هبَّت عَلَى الدولة الإِسلاَمِيَّة، إذ سُفكت دماؤهم، وتمزَّق شملهم، فاتخذت كُلُّ طائفة لنفسها أحكاما فِقهِيَّة خَاصَّة. وقد ظهرت في الساحة عِدَّة قضايا تحتاج إِلىَ الحكم الشرعي، منها: مَن أحقُّ بخلافة عثمان؟ ما حكم القتال مع هَذِهِ الفرقة أو تلك؟ قَضِيَّة التحكيم قبولا ورفضا؟ التنازل عن الخلافة بعد ثبوتها؟ الخروج عن إمام المسلمين؟ …
- تفاوت الصحابة في ما حملوه من علوم السنَّة عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتفرُّقهم في الأقطار، فكان يأخذ أهل كُلِّ ناحية عن الصحابيِّ الذي في قطرهم، ويرجعون إِلىَ ما عنده من السنَّة، ويجتهدون فيما لا يعلمونه، فيختلفون بِذَلِك، وكان من الصعب الاتِّصَال العلميُّ بينهم لبعد الشقَّة وصعوبة المواصلات.
- اختلاف البلاد المفتوحة في العادات والتقاليد أَدَّى إِلىَ اختلاف الفقهاء، لأَنَّ عَلَى الفقيه مراعاة أحوال كُلِّ بلد وظروفه.
ونتيجة لاستقرار الصحابة في مختلف البلدان الإِسلاَمِيَّة، فقد التفَّ حولهم الطلبة، فتعدَّدت المدارس الفِقْهِيَّة في عصر التابعين، تبعا لتعدُّد طرائق الصحابة في التوسُّع في الرأي (كعمر وابن مسعود)، والوقوف عند النصوص (كابن عمر والزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص)، وقد برز اتِّجَاهان رئيسان: مدرسة الحديث بالمدينة، ومدرسة الرأي بالكوفة. وكان كِلا الاتجاهين يلوم الآخر عَلَى طريقته.
ب- مدرسة الحديث في الحجاز، سبب ظهورها ومميزاتها:
كانت المدينة المنورة موطن الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، وعاصمة الدولة الإِسلاَمِيَّة الأولى التي عاش فيها المهاجرون والأنصار، وبعد انتقال عاصمة الخلافة عنها بقيت لها الزعامة الدِّينِيَّة، وكان أهلها امتدادا للمجتمع الإِسلاَمِيِّ الأَوَّل؛ وبالتالي كانوا أكثر الناس تأسيا بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وحفظا لسيرته.
وتبعا لِهَؤُلاَءِ فقد برز في الحجاز علماء من التابعين وقَّافون عند النصوص، لا يلجأون إِلىَ الرأي إِلاَّ عند
(1) ابن القيم: إعلام الموقعين، 1/ 22. نقلا عن الأشقر.