تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٥٦خَاصَّةً وَأَنَّ عليًّا قد اتَّخَذَ من الكوفة مقرَّ الخلافة، وكان بها قَبْلَهُ عبدُ الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة … فاكتفى أهل العراق بما رواه هَؤُلاَءِ النزلاء.
3 - شيوع الوضع للحديث في العراق، فاشترط علماؤها لقبول الحديث شروطا صارمة، فلم يسلم من النقد إِلاَّ القليل، لذا صار المآل إِلىَ الرأي ضرورة حتمية.
4 - أَنَّ بلاد العراق بلاد حضارة، فكانت لها نوازلها المستجِدَّة، وأحكامها الخَاصَّة، بخلاف الحجاز التي لا تزال عَلَى بساطتها.
ومن مميزات هَذِهِ المدرسة:
1 - كثرة التفريع للفروع، ولو كانت خيالية لم تقع، حَتَّى سمُّوا بـ“الأَرأيتيِّين”.
2 - قِلَّة رواتهم للحديث باشتراطهم شروطا لا يسلم معها إِلاَّ القليل.
ملاحظة:
1 - لم يمنع هَذَا التقسيم من وجود مشتغلين بالحديث في العراق، كعامر بن شراحيل المعروف بالشعبي، ولا وجود مشتغلين بالرأي في الحجاز، كربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك، حَتَّى سُمِّيَ: ربيعة الرأي.
2 - ينبغي الإشارة إِلىَ أَنَّ كِلا الفريقين مجمِعٌ عَلَى أَنَّهُ متى استبانت لأحدهم السنَّة الصحيحة عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أخذ بها، وَقَدَّمَها عَلَى قول أيِّ أحد. قال الإمام الشافعيُّ: «وما يُخال من مخالفتهم للسنَّة فعذرهم فيه أَنَّهُ لم يصلهم الحديث، أو وصلهم ولم يثقوا به لضعف راويه، أَو لوجود قادح لا يراه غيرهم قادحا، أو لأَنَّهُ ثبت عندهم حديث معارض لِمَا أخذ به غيرهم»(1).
4 - شيوع رواية الحديث:
رأينا أَنَّ الصحابة كانوا يتحرَّجون من رواية الحديث مخافة الكذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَنَّ أبا بكر كان يكره ذَلِكَ، وعمر بن الخطاب كان يخوِّفهم منها، وَلَكِن:
- بعد أن فتحت كثير من البلاد، وتجدَّدت حاجات للناس، اضطروا إِلىَ البحث عن أحكامها في القرآن وَالسنَّة.
- وبعد أن اسْتَقَرَّ الأمر وأَمِن العلماء عَلَى القرآن، وزال المانع.
- وبعد أن ظهرت الفتن، والتي قد أخبر عنها الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، كان عَلَى الصحابة أن يرووها ليزيلوا الشبه، ويكشفوا الفتنة.
- وخاف الصحابة من التأثُّم من كتمان العلم …
كانت الحاجة ماسَّة إِلىَ أن يُظهِر هَؤُلاَءِ الصحابة ما عندهم من العلم، ويفتوا الناس بِالسُّنَّةِ، فهي أوسع
(1) السايس: تاريخ الفقه، ص87.