تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٥٧

مصادر الفقه وأكثرها تفصيلا. ولم يكن الصحابة في مستوى واحد من الإحاطة بِالسُّنَّةِ، فمنهم من صَاحَبَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - في أوقات دون بعض، وقد يحمل كلٌّ منهم شَيْئًا لم يحمله آخر، وكان منهم المقلٌّون ومنهم المكثرون.

وقد عدُّوا من المكثرين مَن تجاوزت أحاديثهم الألف، وهم سِتَّة: أبو هريرة (ت: حوالي 58 هـ)(1)، وجابر بن عبد الله الأنصاري (ت: 74هـ)(2)، وعبد الله بن عمر (ت: 73هـ)(3)، وعبد الله بن عبَّاس (ت: 68 هـ)، وأنس بن مالك (ت: 93هـ)، وعائشة أمُّ المؤمنين (ت: 57هـ)(4)، رَضِيَ اللهُ عَنهُم جميعا.

وسبب إكثارهم: طول أعمارهم، وطول صحبتهم لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وجمعهم لآثاره - صلى الله عليه وسلم -، كما كان يفعل أبو هريرة وابن عمر وابن عبَّاس، إذ كانوا يلتمسونها حيث كانت، ويجمعونها من كبار الصحابة.

أمام انفتاح باب رواية الحديث عَلَى مصراعيه، صار الناس يشتغلون بِهِ، وَرُبَّمَا رحل أحدهم المسافات الطوال لسماع حديث واحد، وكان هَذَا ديدن بعض صغار الصحابة كعبد الله بن عبَّاس، وجابر بن عبد الله الأنصاري(5).

5 - ظهور الوضع في الحديث(6):

كثر الوضَّاعون للحديث في هَذَا العصر كثرة مزعجة، خُصُوصًا من قِبل الدخلاء في الإِسلاَمِ، من اليهود والروم والفرس.

وقد سلِم من هَذِهِ الظاهرة الخوارج؛ لأَنَّهُم يعتقدون أَنَّ الكذب كبيرة، والكبيرة مخلِّدة في النار، «قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصحُّ حديثا من الخوارج. وقال ابن تيمية: ليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج. وقال: ليسوا مِمَّن يتعمَّدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق، حَتَّى يقال: إِنَّ حديثهم من أصحِّ

(1) أكثر الصحابة رواية للحديث، إذ بلغ مسنده: 5374 حديثا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سنة 57هـ، وَقِيلَ: 59هـ. ينظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء، 2/ 578 - 632. ابن حجر: تقريب التهذيب، 1/ 680. الخضري: تاريخ التشريع، ص112 - 113.

(2) وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سنة 78هـ. ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب، 1/ 219 - 220. القيسراني: تذكرة الحفاظ، 1/ 43 - 44.

(3) ابن حجر: تقريب التهذيب، 1/ 315.

(4) ابن حجر: تهذيب التهذيب، 12/ 461 - 463. ابن حجر: تقريب التهذيب، 1/ 750.

(5) روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مُحَمَّدِ بن عَقِيلٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بن أُنَيْسٍ، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَنِي وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ـ أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ ـ عُرَاةً غُرْلاً بُهْمًا»، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ»، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلاً بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ». أحمد: مسند المكيين، حديث عبد الله بن أنيس، رقم 15612.

(6) ينظر: السايس: تاريخ الفقه، ص80 - 82. القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص182 - 190.

٥٧ / ١٠٩