تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٥٨الحديث»(1). وَهَؤُلاَءِ يحشرون الإِبَاضِيَّة - بطبيعة الحال - ضمن فرق الخوارج، وَهَذِهِ شهادة من المحدِّثين على سلامة الإِبَاضِيَّة من هَذِهِ الآفة.
أ- أسباب ظهور الوضع:
1 - الحقد الذي يكنُّه أعداء الإسلام وأهله، لِمَا رأوا من غلبة المسلمين وسلبهم العزَّ والسلطان الذي كانوا يتمتعون به. وأمام انسداد باب المساس بالقرآن، وجدوا في السنة منفذا لإفساد الدين. وذُكر منهم: عبد الكريم بن أبي العوجاء، وبيان بن سمعان، ومحمد بن سعيد المصلوب.
2 - عدم تدوين الصحابة للحديث، واعتمادهم عَلَى الذاكرة، وصعوبة حصر كُلِّ ما قاله وفعله الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - طوال 23 عاما.
3 - الخلافات السِّيَاسِيَّة، والتعصب للمذهب أو الجنس، فَإِنَّ بعض الفرق الإِسلاَمِيَّة كان يدفعها غلوُّها إِلىَ وضع أحاديث تشهد بِصِحَّةِ مواقفها السِّيَاسِيَّة أو معتقداتها. قال أحد الروافض لحماد بن سلمة: «كُنَّا إِذَا اجتمعنا واستحسنَّا شَيْئًا جعلناه حديثا»(2). ووضع المتعصِّبون لجنسهم الفارسي أو العربيِّ أحاديث في مدح قومهم أو بلدانهم وذمِّ الآخرين.
4 - متابعة بعض من يتَّسمون بالعلم لهوى الأمراء، يضعون لهم ما يعجبهم، كالذي قال لأحد الحكَّام وكان يلهو بالحمام: قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا سبق إِلاَّ في خفٍّ أو حافر أو جناح»، فكافأه عَلَى ذَلِكَ رغم يقينه أَنَّهُ كاذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -(3).
5 - تساهل بعضهم في باب الفضائل والترغيب والترهيب، كالذي روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أَنَّهُ وضع فضائل القرآن سورة سورة، ووضع السند عن الثقات، وبرَّر ذَلِكَ بِمَا رآه من اشتغال الناس بفقه أبي حنيفة ومغازي محَمَّد بن إسحاق، وإعراضهم عن القرآن.
6 - تَعَالِي بعض الناس عن عدم قبول أي كلام غير القرآن وَالسُّنَّة، فعمد البعض إِلىَ حِكَمِ العرب وأقوال الصحابة، فنسبوها إِلىَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
7 - استمالة القُصَّاص لعامَّة الناس بأحاديث مكذوبة عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بإيراد قصص عجيبة، عن الأمم السابقة أو الأمم اللاحقة، أو غيبيَّات الآخرة، وللسيوطي كِتَاب: «تحذير الخواص من أكاذيب القصَّاص».
ب- تصدِّي العلماء لظاهرة الوضع:
أمام هَذَا الخطر الذي يهدد الشريعة الإِسلاَمِيَّة، تحفَّز العلماء لمقاومة الوضَّاعين، وتصدَّوا للتمحيص والتنقيب،
(1) القطان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص183.
(2) الخطيب البغدادي (ت: 463هـ): الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، رقم: 162، 1/ 138.
(3) السايس: تاريخ الفقه، ص81.