تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٥٩ونبذ الزائف، ففضحوا مكائدهم، وحذَّروا من كُلِّ واحد باسمه، وبيَّنوا أعيان الأحاديث التي وضعوها، والأغراض التي حملتهم عَلَى ذَلِكَ، وأمارات الوضع، ومنها: مخالفة صريح القرآن، أو بدهيات العقل أو حقائق التاريخ أو الحقائق العِلمِيَّة، وركاكة الأسلوب، والمبالغات المفرطة(1) …
«عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فَلَمَّا وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم»(2).
ومنذ ذَلِكَ العهد اهتمَّ العلماء بنقد السند والرواة، وظهر ما يُسَمَّى بـ“علم الجرح والتعديل”، ابتداء من صغار الصحابة، كعبد الله بن عبَّاس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وكثر القول عَلَى يد التابعين أمثال: الشعبي وابن سيرين والحسن البصري وسعيد بن المسيب، ثُمَّ من بعدهم: شعبة، ومالك والأوزاعي والثوري والليث وابن المبارك ويحيى القطَّان … ثُمَّ تتابع القول فيه من بعدهم.
وقد بذل المحدِّثون جهودًا عظيمة في هَذَا السبيل، يحقُّ لأمَّتنا الإِسلاَمِيَّة أن تفاخر بها الأمم الأخرى. ومع ذَلِكَ فهي جهود بَشَرِيَّة لا يمكن أن ندَّعي في حقِّها الكمال، بل تحتاج إلى مراجعات، وَبِخَاصَّةٍ في عصرنا حيث يسهل الوصول إلى المعلومات وتقويمها بالوسائل الرقمية الحديثة.
ج- أثر الوضع في التشريع:
إِنَّ أولئك الوضَّاعين وإن لم يبلغوا مآربهم للنيل من الدين، لمقاومة العلماء إِيَّاهُم، إِلاَّ أَنَّهُم وضعوا الشوك في طريق الفقهاء المستنبطين، مِمَّا جعل سيرهم عسيرا بطيئا، فبعد أن كان الفقيه مطمئنًّا إِلىَ صِحَّة الحديث، لا يشغله شاغل عن الاستنتاج منه والنظر فيه، أصبح واجبا عَلَيْهِ أن يُعنى قبل كُلِّ شَيْء بالبحث في سند الحديث ومتنه، حَتَّى إذا ثبتت صحَّتهما نظر واستنبط، وَلَكِن بعد مشقة وطول عناء.
6 - ظهور المَوالي، وخدمتهم للعلوم الشَّرعِيَّة:
كان أكثر الصحابة عربا، وَلَكِن لَمَّا انتشر الإِسلاَمُ، وتفرَّق الصحابة في الأمصار المفتوحة، اشترك في تلقِّي العلم عنهم العربُ والموالي من أبناء فارس والروم ومصر. وقد سموُّا بالموالي لأَنَّ من أسلم عَلَى يد رجل فهو مولاه، ومنهم من استُرِقَّ ومنهم من لم يجرِ عَلَيْهِ رقٌّ.
وقد أفاد الموالي الحركة العِلمِيَّة ببحوثهم ومواهبهم، إذ لم يعد ذَلِكَ منحصرًا في العرب، وقد كسبوا ثقة الناس (عربا وعجما)، واعتُرِفَ بفضلهم رغم استحكام العصبيَّة العرقيَّة. ومن أهمِّ الأمور المساعدة لهم عَلَى خدمة العلم الشرعي ما يأتي:
(1) للتفصيل ينظر: مصطفى السباعي: السُّنَّة ومكانتها في التشريع الإِسلاَمِيِّ.
(2) مسلم: مقَدِّمَة صحيحه، 1/ 15.