تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٦٤

المدرستين: العراقيَّة والحجازيَّة، فنال الثقة عند أهل النقل وأهل العقل.

- صُحْبته لابن عبَّاس جعلته يرث منه العلم بالتفسير، رواية ودراية، فقد كان ابن عبَّاس وسطا بين المدرستين، إذ كان لا يقف عند ظواهر النصوص خلافا لابن عمر من جهة، ومن جهة أخرى لا يرضى بالفقه الافتراضي، كما أَنَّهُ قد خالف عمر بن الخطاب في بعض آرائه، فقد كان ابن عبَّاس ذا شَخصِيَّة مستقلَّة، وَهَذِهِ الاستقلالية انتقلت إِلىَ تلميذه أبي الشعثاء، فكان مذهبه مستقلاًّ، وَهَذَا ما يُفَسِّرُ أخذَ الإِبَاضِيَّة بكثير من آراء ابن عبَّاس الفِقْهِيَّة(1).

علاقته بالإباضية:

إِنَّ كثيرا من الباحثين يعتقدون أَنَّ زعيم المذهب هو عبد الله بن إباض ـ وذلك إمَّا بسبب التسمية، أو التعصُّب؛ إذ يعزُّ عَلَيْهِم أن يكون التابعيُّ الثقة إماما للإباضية الخوارج في زعمهم ـ بينما الواقع التاريخيُّ والفكريُّ يثبت أَنَّ الزعامة الفِكرِيَّة والروحية إِنَّمَا هي للإمام جابر بن زيد، وكان عبد الله بن إباض في الواجهة السِّيَاسِيَّة يدافع عن هَذِهِ الفئة، فنُسبت إِلَيْهِ، وقد كان ابن إباض وأصحابه يصدرون في آرائهم عن الإمام جابر، وقد فصَّل كثير من العلماء والباحثين في القَضِيَّة(2).

ب- الحسن البصري(3):

هو الحسن بن أبي الحسن يسار مولى زيد بن ثابت. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، ويقال: إِنَّهُ رضع من لبن أمِّ سلمة زوج النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ونال بركتها.

روى عن كثير من الصحابة والتابعين. وكان فقيها ثقة، وإماما جامعا. وكان أنس يقول: سلوا الحسن فَإِنَّهُ

(1) فابن عبَّاس مثلا يرى أَن لا ربا إِلاَّ في النسيئة، وَأَنَّ الملامسة المذكورة في آية الوضوء كناية عن الجماع، فمجرد اللمس عنده لا ينقض الوضوء. وَهَذَا ما أخذ به الإِبَاضِيَّة. ينظر: مهني عمر التيواجني: الفقه والتشريع، ص64.

وينظر عَلَى سبيل المثال الآراء التي اتَّفَقَ فيها جابر وابن عبَّاس: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 6/ 322؛ 7/ 119. ابن حجر: فتح الباري، 2/ 24 … وغير ذَلِكَ من المصادر فهي كثيرة جِدًّا.

(2) ينظر مثلا: الكندي: بيان الشرع، ج69 - 70، ص55، 185. الدرجيني: الطبقات، ج02، ص206. الشماخي: السير، ج01، ص65، 69، 72. اطفيش: شرح النيل، ج17، ص617. السالمي: منظومة كشف الحقيقة. علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة. النامي: دراسات في الإِبَاضِيَّة. عوض خليفات: نشأة الحركة الإِبَاضِيَّة. يحيى بكوش: فقه الإمام جابر، المقدمة. عبد الرحمن حجازي: تطور الفكر التربوي، المقدمة. سامي صقر: الإمام جابر بن زيد وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، ص56 وما بعدها.

(3) السايس: تاريخ الفقه، 91.

٦٤ / ١٠٩