تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٦٧الدور الرابع
عصر التدوين وبروز المذاهب الإسلامية(1)
هَذَا العصر هو عصر تدوين السنة والفقه، وظهور كبار الأَئِمَّة المعترف لهم بالزعامة. يبدأ هَذَا الدور من أوائل القرن الثاني حين بدأت شمس الدولة الأُمَوِيَّة تؤذن بالمغيب، واكتمل وازدهر وشمس الدولة العَبَّاسِيَّة تتألَّق في سماء الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، وينتهي في منتصف القرن الرابع الهجري، عندما تجزَّأت الخلافة العَبَّاسِيَّة.
أَوَّلاً - حالة التشريع في هَذَا الدور:
أخذت حالة التشريع في هَذَا العصر تسير بخطى قَوِيَّة، وغدا البحث العلميُّ أكثر تَطَوُّرًا عَمَّا كان عَلَيْه في الطور السابق؛ إذ اتَّسم بالنضج، والاستيعاب، وتوسُّع دائرته، وترتيب شتاته، وتأصيل قواعده، وضبط كُلِّيَّاته. ويمكن أن يُسَمَّى ذَلِكَ العصر بعصر «البحث العلمي الجدِّيِّ العميق المنتج، والمنافسة الفِقْهِيَّة … والاجتهاد المطلق، والحرية الجريئة في النظر والاستنباط. فيه دوِّنت علوم القرآن، وَالسُّنَّة، والكلام، واللغة، والفقه، وظهر نوابغ القرَّاء، وأهل اللغة والتأويل والمحدِّثين والمتكلِّمين والفقهاء»(2).
نشاط التشريع واتساعه:
كانت الحركة العِلمِيَّة في الدور الأَوَّل لا تتعدى ما يَتَّصِلُ بالقرآن وَالسُّنَّة وسيرة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعلوم الدين لم تكن متميِّزة، ولا ينتظمها موضوع مستقلٌّ، بل كان العالِم أو الراوي يسوق في مجلسه طرائف من مختلف العلوم.
ومع اتساع العلوم، اتجه المسلمون في هَذَا الدور إِلىَ التدوين، والتصنيف، وترتيب المسائل، وضمِّها إِلىَ بعضها بَعْضًا، وتمييز كُلِّ علم عن غيره. ووضعوا علوما مساعدة، لها اتِّصَال بعلوم الدين، كعلم اللغة، والنحو، والحديث، والعروض، والأدب، والتاريخ.
وكان الدافع إِلىَ هَذَا النشاط:
- المنافسة بين الزعماء والعلماء، وبين النواحي، وبين الفِرق، فيسعى كلٌّ إِلىَ الإتيان بما لم يأت به غيره.
- اكتساح الجهالة، وإشباع النفوس من المواد العِلمِيَّة.
- ردُّ الشُّبه التي يثيرها من دخل الإِسلاَم من مختلف الأجناس، عن حسن أو سوء نية.
وقد أنجب هَذَا العصر علماء مجتهدين اعترف لهم الجمهور الإِسلاَمِيُّ بالإمامة والزعامة الفِقْهِيَّة، فقلِّدت مذاهبهم، ودوِّنت آراؤهم، منهم: سفيان بن عيينة بِمَكَّةَ، ومالك بن أنس بالمدينة، والحسن البصري وجابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم بالبصرة، وأبو حنيفة وسفيان الثوريُّ بالكوفة، والأوزاعيُّ بالشام، والشافعيُّ والليث بن سعد
(1) الخضري: تاريخ التشريع، ص126 فما بعد. الأشقر: تاريخ الفقه، ص 86 فما بعد. السايس: تاريخ الفقه، ص92 فما بعد.
(2) السايس: ص92.