تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٦٨بمصر، وإسحاق بن راهويه بنيسابور، وأبو ثور وأحمد وداود الظاهري وابن جرير ببغداد.
وكانت المدن المذكورة مراكز إشعاع، إضافة إِلىَ القيروان وتيهرت وقرطبة.
ثانيًا - عوامل نشاط التشريع في هَذَا الدور:
تَتَمَثَّلُ هَذِهِ العوامل في: عناية الخلفاء بالفقه والفقهاء، حُرِّيَّة الرأي، كثرة الجدل، كثرة الوقائع، تأثُّر العقول بثقافات الأمم المختلفة، تدوين العلوم.
1 - عناية الخلفاء بالفقه والفقهاء:
كان همُّ الأمويِّين مقتصرا عَلَى الجوانب السِّيَاسِيَّة للدولة. وَلَمَّا آل الأمر إِلىَ العباسيِّين اهتمَّ بعضهم بالفقه والفقهاء، وقرَّبوهم بالصحبة والعطايا، وَبِخَاصَّةٍ أبو جعفر المنصور، والرشيد والمأمون(1)، عند العباسيين، وعند الرُّسْتُمِيِّينَ: عبد الرحمن بن رستم وابنه عبد الوَهَّاب وابنه أفلح بصفة أخص.
كما كان لاتِّساع رقعة الدولة الإِسلاَمِيَّة، وبناء الحواضر الكبرى (كبغداد والفسطاط والقيروان وتيهرت، وقرطبة … ) الأثر الكبير في ازدهار العلوم، ومنها علوم الشريعة، وقد وجدت في هَذِهِ الحواضر عِدَّة جوامع كان لها دور كبير في تخريج العلماء، ونشر العلم.
فتخرج من جامع الفسطاط (القاهرة) تخرج علماء من مختلف المذاهب، فمن أصحاب مالك ابن وهب وابن القاسم، ومن أصحاب أبي حنيفة أبو جعفر الطحاوي. وكان لهذا الجامع الفضل في إظهار علم الشافعي.
2 - حُرِّيَّة الرأي:
إِنَّ السمة الغالبة في هَذَا الدور هي حُرِّيَّة الرأي، فقد كان العالم «يجتهد في تعرُّف الحكم، ويذهب إِلىَ ما يطمئنُّ إِلَيْهِ دون أن تتحكَّم فيه سلطة»، وقد تُعرض القَضِيَّة - من مسائل الاجتهاد - عَلَى عدد من القضاة والفقهاء فلا يَتَّفِقُون فيها عَلَى حكم واحد. وَكُلُّ من وثق في إمام اتَّبعَه، ولم يلتزم الناس مذهبا واحدا بعينه إِلاَّ بعد ذَلِك.
وكان العلماء في بداية هَذَا العصر يرفضون التقليد، وينهون عن التعصُّب، بل ينظرون في الدليل(2).
3 - كثرة الجدل:
كان الجدل قائما بين العلماء منذ عهد الصحابة، ثُمَّ التابعين، إذ احتدَّ مع ظهور المدرستين العراقية والحجازية في العصر الأموي، وقد أشرنا إِلىَ أسباب ذَلِكَ.
(1) من المعلوم أَنَّ هَذَا الأخير قد أثار قَضِيَّة خلق القرآن، وفرضها بِالقُوَّةِ عَلَى الناس، وكان الإمام أحمد بن حنبل من ضحايا هَذَا الضغط. وَهَذَا وإن كان منافيا لحرية الرأي، إِلاَّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تدخُّل السلطة في علم الكلام والفقه.
(2) الأشقر: تاريخ الفقه، ص87.