تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٦٩

غير أَنَّ الجدل في هَذَا العصر (عصر التدوين والمذاهب) بلغ أشُدَّه، واتسع مداه، لكثرة العلماء وارتقاء العلم، وانفراج الحياة الاِجتِمَاعِيَّة، وتداخل العلوم، وَبِخَاصَّةٍ بالاستفادة من المنطق.

«كان الجدل فيما بين العلماء دائرا حول تحديد معاني الألفاظ اللغوية، أو حمل الكلام عَلَى الحقيقة والمجاز، وعلاقة كُلٍّ من الكِتَاب وَالسُّنَّة بالآخر، وعمل الصحابيِّ أهو حجَّة أم لا، والقياس ومداه … إِلىَ غير ذَلِكَ مِمَّا يُعتمد عَلَيْهِ في استنباط الأحكام(1).

وكان جدلهم أحيانا بالمشافهة في حلقات الدروس، وفي المنزل، ومواسم الحج، وأحيانا أخرى بالمكاتبة، حَتَّى تأثَّر التأليف بالأسلوب الجدلي، كما يظهر ذَلِكَ واضحا في كِتَاب الأم للشافعي، وغيره … »(2). وَهَذَا مِمَّا ساعد الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى معرفة مأخذ الرأي والحكم عند السلف من كُلِّ فريق.

وتجدر الإشارة إِلىَ «أَنَّ تلك المناظرات لم تُنقل كُلُّهَا إلينا عَلَى حقيقتها، بل تناولها المتأخرون بالتحوير والتحريف، كما أَنَّهُم اختلقوا مناظرات ونسبوها إِلىَ الأوائل من العلماء، ترويجا لمذاهبهم، وإجابة لداعي العصبية المذهبيَّة»(3).

وكان هدف الجدل هو الوصول إِلىَ الحقيقة فحسب، ثُمَّ أصبح وسيلة للتغلُّب عَلَى الخصم بشتى الأساليب، فحُشر فيه ما لا يَتَّصِلُ بجوهر الموضوعات، وإقحام العقل فيما لا طائل من ورائه.

وقد اشتهر من الْمُتَكَلِّمِينَ المعتزلة: عمرو بن عبيد (ت: 144هـ)، وأبو الهذيل العلاَّف (ت: 235هـ)(4)، والجاحظ عمرو بن بحر (ت: 255هـ).

4 - كثرة الوقائع:

مع اتساع الدولة الإِسلاَمِيَّة في عهد الأمويين ثُمَّ العباسيين بصفة خَاصَّة، واندماج كثير من الشعوب -بما لها من تقاليد وعادات- ضمن المجتمع الإِسلاَمِيِّ، كان عَلَى العلماء أن يهذبوا من تلك العادات والأعراف، ويعطوها حكمها في الإِسلاَمِ.

وكانت تختلف الوقائع باختلاف البيئات، ففي العراق كانت تعرض عَلَى الفقهاء -كجابر وأبي عبيدة مسلم- تقاليد الفرس وأعرافهم، وفي الشام تعرض عَلَى الأوزاعي عادات الروم، وفي مصر تعرض عَلَى الليث بن

(1) لمزيد بيان في المسائل الأصولية موضوع النقاش، ينظر: الخضري: تاريخ التشريع، ص135 - 161.

(2) السايس: ص96.

(3) المرجع نفسه. ولم يسلم الإِبَاضِيَّة من هَذِهِ الظاهرة، ففي مكتبة آل يدر اطلعنا عَلَى مخطوطة من هَذَا القبيل، بها جدل ونقاش في مختلف المواضيع بعنوان: «مقامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بين يدي المأمون بن هارون الرشيد»، مجلد رقم 89. ويبدو واضحا اختلاق هَذِهِ المخطوطة ونسبتها إِلىَ الإمام أبي عبيدة؛ فخلافة المأمون كانت في أوائل القرن الثالث الهجري، بينما الإمام تُوُفِّيَ حوالي سنة 145هـ. أَمَّا مناظرته لواصل بن عطاء (زعيم المعتزلة) فَإِنَّ عَلَى الباحثين التثبُّت من صحَّتها.

(4) ينظر: محَمَّد قاسم عبد الرحيم الزيني: شهداء الفكر.

٦٩ / ١٠٩