تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٠سعد والشافعيِّ حوادث وأقضية خليط من الروم والمصريين … وهكذا في سائر الأقطار. وكان طبيعيًّا أن تظهر في كُلِّ إقليم أحكام ليست في غيره.
5 - الرحلات العِلمِيَّة:
نتيجة لكثرة الوقائع واختلافها من إقليم لآخر شعر العلماء بالحاجة إِلىَ معرفة ما عند الآخرين، فكانت الرحلات العِلمِيَّة من قطر لآخر، من ذَلِكَ رحلة ربيعة الرأي من المدينة إِلىَ العراق، ومحمَّد بن الحسن من العراق إِلىَ المدينة، والشافعيِّ إلى المدينة ثُمَّ العراق ثُمَّ مصر، وجابر بن زيد من العراق إلى مَكَّة والمدينة، وحملة العلم من عمان واليمن والمغرب الإِسلاَمِيِّ إِلىَ العراق حيث الشيخ أبو عبيدة(1).
6 - تأثر العقول بثقافات الأمم المختلفة:
تألَّفت الدولة الإِسلاَمِيَّة من أجناس وأديان مختلفة، كالمجوس والروم، واليهود والنصارى، وكانت لهم بالمسلمين ارتباطات اجتِمَاعِيَّة وتجارية، ومن الطبيعي أن يتبادلوا المعارف فيما بينهم، ويستمدَّ كلٌّ من تجارب الآخر. وقد ساعدت هَذِهِ العلاقات في انتشار الترجمة للعلوم، كالطب والكيمياء والفلسفة والمنطق والآداب.
«وقد استُخدم المنطق والفلسفة أَوَّلاً في علم الكلام، لكثرة الشُّبه التي أثارها أرباب الديانات المختلفة ضِدَّ العقائد الإِسلاَمِيَّة، فاضطرَّ علماء المسلمين في ذَلِكَ العصر ـ وَخَاصَّةً المعتزلة ـ إِلىَ أن يتسلَّحوا بالمنطق والفلسفة، لتتهيَّأ لهم مقاومة هَؤُلاَءِ المجادلين. ثُمَّ تسرَّب ذَلِكَ الجدل الفلسفيُّ إِلىَ الفقه الإِسلاَمِيِّ في إثبات أحكامه الاجتهادية»(2).
7 - تدوين العلوم:
رأينا أَنَّ بدايات تدوين العلوم، وَبِخَاصَّةٍ الفقه، كانت منذ عهد الأمويِّين، وقد «كَتَبَ عُمَرُ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بن حَزْمٍ [وهو واليه عَلَى المدينة]: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلاَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا»(3). إِلاَّ أَنَّ التدوين لم يبلغ مبلغه عَلَى عهد العَبَّاسيين، وقد مَسَّ شَتَّى العلوم، نظرا لتشابكها، وخدمة بعضها لبعض، وقد كان للفقه ومصادره وأصوله النصيب الأوفر من الاهتمام، لأَنَّهُ أكثر اتِّصَالاً
(1) حملة العلم إِلىَ المغرب هم: عبد الرحمن بن رستم (ت: 172هـ)، أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (ت: 144هـ)، عاصم السدراتي (ت: 141هـ)، أبو المنيب إسماعيل بن درَّار الغدامسي (حي سنة 211هـ)، أبو داود القبلّي النفزاوي (حي في: 140هـ).
وحملة العلم إِلىَ المشرق هم: أبو المنذر بشير بن المنذر (ت: 178هـ)، الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى (ت: 134هـ)، أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن يوسف (ت: 260هـ)، منير بن النير الجعلاني (حي في: 237هـ).
(2) السايس: ص97 - 98.
(3) البخاري: كِتَاب العلم، بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ. وروى نحوه الدارمي، كِتَاب المقَدِّمَة، باب من رخص في كِتَابة العلم، رقم 487، 488.