تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٢إِلىَ المسلمين ما في كتبهم، مِمَّا يساعد عَلَى فهم القرآن، وكان اشتهر من هَؤُلاَءِ من الصحابة: وهب بن منبِّه، وكعب الأحبار، وعبد الله بن سلاَم، ومن التابعين ابن جريج وغيره.
ثُمَّ اتجه العلماء إِلىَ جمع ما روي من التفسير عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكان علماء كُلِّ بلد يقومون بجمع ما عُرف لأئمة بلدهم، فجمع أهل مَكَّة تفسير ابن عبَّاس، وأهل الكوفه ما رووه عن ابن مسعود.
ثُمَّ اتجه عمل العلماء إِلىَ جمع روايات الصحابة والتابعين في التفسير، ولم يكن هَذَا الجمع وفق ترتيب الآيات، ومن هَؤُلاَءِ سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه. ثُمَّ في عصر العباسيين بدأ التفسير يتجه إِلىَ ترتيبه وفق ترتيب الآيات، كتفسير السدي وابن جريج، وهي - عَلَى شهرتها - لم تصل إلينا بذاتها، وَإِنَّمَا نقل عنها الطبريُّ كثيرا، وكذا ابن أبي زمنين وابن سلاَّم وهود بن محكَّم الهواري(1). ويُذكر تفسير عبد الرحمن بن رستم عَلَى أَنَّهُ من أقدم التفاسير عند الإِبَاضِيَّة، إِلاَّ أَنَّهُ لم يصلنا.
مواقف العلماء من التفسير:
وقد كان للناس مواقف مختلفة تجاه تفسير القرآن:
- فمنهم من تحرَّج من أن يأتي بقول من عنده، أو يأخذ بغير ما ورد عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
- ومنهم من لم يتحرَّج من ذَلِكَ، معتمدا عَلَى درايته باللغة وأساليبها، وما يَتَّصِلُ بالتفسير من معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ. وقد جمع الطبريُّ بين الطريقتين.
وقد أطلق بعضهم اسمَ التفسير عَلَى ما كان مأثورا، واسمَ التأويل عَلَى ما كان عن اجتهاد، تفرقةً بين النوعين.
جـ- خدمة العلوم للقرآن الكريم:
ولما كثرت العلوم وتميزت عن بعضها، أخذ الْمُتَخَصِّصُونَ في كُلِّ فنٍّ ينظرون إِلىَ القرآن من زاويتهم:
- فالقرَّاء تناولوه من جهة أوجه القراءات، كأبي علي الحسن بن أحمد الفارسيِّ (ت: 376 هـ) الذي صنَّف كِتَاب «الحجَّة في علل القراءات السبع»، وأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت: 444 هـ) الذي له «كتاب التيسير في القراءات السبع».
- وتناول اللغويُّون القرآن من جهة ألفاظه، كأبي عبيدة معمر بن المثنَّى (ت: 210 هـ) صاحب «مجاز القرآن»، وأبي زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء (ت: 207 هـ) وله: «معاني القرآن».
- والنحويُّون من ناحية تراكيبه، كأبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه (ت: 370 هـ)، الذي ألَّف «إعراب ثلاثين سورة من القرآن»، وأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجَّاج (ت: 316هـ) صاحب «إعراب القرآن».
(1) انظر: مُقَدِّمَة المحقق لتفسير كتاب الله العزيز، للشيخ هود بن محكم الهواري. وانظر روايات هودٍ عن السدِّي المنتشرة في ثنايا تفسيره.