تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٧٣

- والفقهاء تناولوه من جهة أحكامه كأبي بكر أحمد بن علي الجصَّاص (ت: 370 هـ) وله: «أحكام القرآن» … وكذا المتكلمون، فكلٌّ منهم يأخذ منه ما يَتَعلَّقُ بالعقائد والاحتجاج به لمذاهبهم العقدية.

وَعَلَى كُلِّ حال تعاونت العلوم عَلَى فهم القرآن، لغة ونحوا وصرفا وفقها وأصولا وتاريخا … فاتسع نطاق التفسير، فوجد الناس ما يسدُّ حاجتهم من تلك الْمُؤَلَّفَات، فيختصرونها، أو يشرحونها.

رابعا - تدوين السنَّة النَّبَوِيَّة الشريفة(1):

أ- بدء التدوين:

سبق أن رأينا أَنَّ السنَّة لم تدوَّن بصورة رسمية ولا شاملة في العصور السابقة، وبيَّنَّا أسباب ذَلِكَ. وقد بقيت السنة محفوظة في الصدور، تؤدَّى لفظا.

وَلَمَّا اتسعت البلاد، ومات معظم الصحابة، وتفرَّق أصحابهم، وبعُد العهد، وقلَّ الضبط، وكثر الوضع، خشي العلماء ذهاب السنَّة، فاحتاجوا إِلىَ تدوينها وحفظها بِالكِتَابة. ويبدو أَنَّ جابر بن زيد كان أَوَّل من قام بجمعها وَكِتَابتها ضمن ديوانه الذي ضاع.

ب- التدوين الرسمي:

وَأَمَّا التدوين الرسمي فَإِنَّ عمر بن عبد العزيز كان أَوَّل من أمر رسميًّا بتدوين السنة، كما سبقت الإشارة، إذ رأى بحكمته أَنَّ السبب المانع من ذَلِكَ قد زال، وبالتالي يزول الحكم بزوال المانع. وأفاد ابن حجر أَنَّ أَوَّل من قام بتدوينها بأمر عمر أَبُو بَكْرٍ عَمْرو بن حَزْمٍ واليه عَلَى المدينة، وابن شهاب الزهري. وإذا كان ما دوَّنه ابن شهاب قد ضاع أَيضًا، رُبَّمَا لقصر خلافة عمر، فإنَّ هَذَا الخليفة الراشد قد فتح للناس باب التدوين، بعد أن كانوا يهابون ذَلِكَ، لِمَا صَحَّ عندهم من منع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة من بعده.

جـ- طريقة التدوين(2):

سلك المحدِّثون طرقا عِدَّة في جمع الحديث:

1 - وضع كُلِّ باب عَلَى حدة، كالربيع بن صبيح (ت: 160هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (ت: 172هـ)(3).

(1) ينظر: الخضري: تاريخ التشريع: 133 فما بعد. السايس: تاريخ الفقه، 101 - 103.

(2) لمزيد من الاطِّلاَع عَلَى أهمِّ كتب الحديث وأشهرها، وخصائصها، وبيان درجاتها من حيث الصِّحَّة، وهي: موطَّأ مالك (ت: 179هـ)، ومسند أحمد (ت: 271هـ)، وصحيح البخاري (ت: 256هـ)، وصحيح مسلم (ت: 261هـ)، وسنن أبي داود (ت: 275هـ)، وسنن الترمذي (ت: 279هـ)، وسنن النسائي (ت: 302هـ)، وسنن ابن ماجه (ت: 273هـ)، ينظر: الأشقر: تاريخ الفقه، 92 - 105.

(3) ينظر تاريخ وفاتهما: الربعي: مولد العلماء ووفياتهم، 1/ 364، 374.

٧٣ / ١٠٩