تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٥اختاروا طريق المهادنة وعدم الصدام مع الحكَّام المتعاقبين على سدَّة الحكم، فضمنوا لمذاهبهم أن تكون بدرجات متفاوتة مذاهب رسميَّة وشعبيَّة … وقد تصارعت فيما بينها صراعا خفيا كان للسياسة دور واضح فيه. وإذا انتصر أحدها على غيره، انضمَّ إلى المذهبِ الغالبِ أتباعُ المذهب المغلوب. وخير مثال على ذلك غلبة المذهب الحنبلي في بلاد الحجاز على المذهبين الشافعي والمالكي، إذ لا يخفى أنَّ المدينة المنورة هي المهد الأَوَّل للمذهب الأخير، وأنَّ إمامه كان يعرف بإمام دار الهجرة. وكذا الأمر فيما بعدُ حين فُرض المذهب الحنفيُّ منافسا للمذهبين المالكي والشافعي في الولايات العثمانيَّة، حين اختارت الحكومة في الأستانة المذهب الحنفي مذهبا رسميا للدولة».
«ولأسباب غير علمية جملة وتفصيلا، استطاعت المذاهب الكبرى بسبب شعبيتها ودعم الحكام لها أن تبتلع مذاهب صغيرة بأكملها، وأن تستحوذ على قطاع لا بأس به من عوامِّ أتباع بعض المذاهب الأخرى تحت مبرِّرات عدَّة. ومن المفيد أن نعطي كلمة موجزة عن كل مذهب من هذه المذاهب متَّبعين في ذلك الترتيب الزمنيَّ لحياة أصحابها».
1 - المذهب الإباضي(1):
«كان الإمام جابر بن زيد التابعي الجليل، وأحد أشهر تلاميذ ابن عباس، هو الذي أرسى القواعد الأولى لهذا الفقه الذي سيتطور على يد تلاميذه وتلاميذهم من بعده؛ إذ يعود إليهم الفضل في نشره وتدوينه والسير على نهجه التشريعي». وقد مَرَّ بنا جانب من حياة المُؤَسِّس الإمام جابر بن زيد.
ويعتبر الإِبَاضِيَّة من أَوَّل المذاهب تدوينا، فقد ألَّف الإمام جابر ديوانه، وعبد الرحمن بن رستم تفسيره، وكلاهما ضاعا. وحفظت لنا الأَيَّام مسند الربيع بن حبيب، ومدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، وَكُلُّ أولئك كانوا قبل نهاية القرن الثاني الهجري، أي قبل أَئِمَّة الحديث كأحمد والبخاري ومسلم.
2 - المذهب الشيعي(2):
أَمَّا الفقه الشيعيُّ فيمثِّله الإماميَّة الجعفريَّة والزيديَّة. والفقه الشيعيُّ مُؤَسَّسٌ عَلَى القول بعصمة الأَئِمَّة، وَأَنَّ عليًّا هو وصيُّ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد أفضى إِلَيْهِ بظاهر الشريعة وخافيها، وهو كَذَلِكَ أفضى بها إِلىَ مَن خَلَفَه في الإمامة؛ لذَلِكَ كانت عندهم أقوال الأَئِمَّة كنصوص الشارع، فهي لا تُنال بالاجتهاد والرأي، وَإِنَّمَا تُنال من قِبل المعصوم. من أهمِّ كتبهم المعتمدة في الحديث: «الكافي» في علوم الدين للكلِّيني، به أكثر من سِتَّة عشر ألف حديث رويت عن آل البيت.
وتعود أصول الزيدية إلى زيد بن عليٍّ (زين العابدين) ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (80 - 122هـ) الذي ألَّف أقدم كِتَاب في الفقه، وهو «المجموع». لهم أتباع في طبرستان وبلاد اليمن. ويعرف عنهم كثرة العلماء المجتهدين. وهم أقرب إِلىَ المعتزلة في العقائد(3).
(1) لمزيد تعريف بهذه المدرسة الفقهية وبيان لمكانتها ومساهماتها، ينظر: التيواجني: الفقه والتشريع، ص59 إِلىَ آخر الكِتَاب.
(2) الخضري: تاريخ التشريع، 191 - 194. نأسف لقلة مصادر الشيعة عندنا، فلا مناص من اعتماد مصادر لغيرهم. لذا فالمعلومات تؤخذ مع شَيْءٍ من التحفُّظ.
(3) يرى هاشم معروف الحسني (وهو شيعي) أَنَّ الشيعة وسط بين المعتزلة والأشاعرة وأكَّد عَلَى هَذِهِ الفكرة في كامل كِتَابه: الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة.