تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٨الدور الخامس
عصر الجمود والتقليد(1)
تمهيد:
إِنَّ الماء إذا ركد أسن وأضرَّ، وَكَذَلِكَ الحياة الإِنسَانِيَّة إذا كبَّلتها القيود، ومنعتها من الإبداع والاجتهاد، فَإِنَّ العقول تجمد، ويشقى الإِنسَان بنفسه وعقله؛ وَهَذَا ما حصل في هَذَا العصر.
ابتدأ هَذَا العصر لَمَّا هرمت الدولة العَبَّاسِيَّة في منتصف القرن الرابع الهجري، وتمزَّقت أوصالها إِلىَ دويلات، فكثرت بينها الفتن، وقام بعضها عَلَى أنقاض بعض، إِلىَ أن تحرَّكت ريح الصليبيِّين في أوائل القرن الخامس الهجري، فوقعت تلك الحروب والفتن الكبرى.
وَاسْتَمَرَّ هَذَا الدور إِلىَ أواسط القرن الثالث عشر الهجري، إِلاَّ أَنَّنَا لا نزال إِلىَ اليوم نرزح تحت وطأة هَذَا العصر (عصر التقليد).
وقد كانت الحياة الإِسلاَمِيَّة قبل عصر التقليد محكومة بالإسلام، وكان العلماء يحاولون إيجاد الحلول الشَّرعِيَّة للمعضلات التي تعترضهم، فيغرفون من بحر القرآن وَالسُّنَّة الواسِعَيْن، وَلَكِن لَمَّا خمدت حركة العلم ـ بسبب الظروف السَّيِّئَة والاضطرابات ـ ضيَّق المسلمون عَلَى أنفسهم واسعا، وحصروا أنفسهم في نطاق محدود، وجنوا عَلَى أنفسهم وَعَلَى الشريعة.
أَوَّلاً - ظهور التقليد وانتشاره:
كان الإمام أبو حنيفة يقول: «هم رجال ونحن رجال»، والإمام مالك يقول: «كلُّ أحد يؤخذ من قوله ويردُّ عليه إِلاَّ صاحب هذا القبر - صلى الله عليه وسلم -»(2). لَكِن مع نهاية عصر المجتهدين بدأ التقليد يستشري في الناس شَيْئًا فَشَيْئًا، فبخس الفقهاء حقَّ أنفسهم، وظنُّوا أَنَّهُم ليسوا أهلا للنظر والاستنباط من القرآن وَالسُّنَّة مباشرة، وأخذوا يجتهدون في حدود المذاهب التي اعتنقوها. ومع أفول الدولة العَبَّاسِيَّة سنة 656هـ، عند اجتياح التتار لعاصمة الدولة، ترك الفقهاء كُلَّ ألوان الاجتهاد، ولم يبق إِلاَّ شَيْء من التمييز بين الأقوال قويِّها وضعيفها، وصرفوا كُلَّ الجهد إِلىَ نصرة المذهب.
(1) الأشقر: تاريخ الفقه، ص109 فما بعد. السايس: تاريخ الفقه، ص127 فما بعد.
(2) اشتُهرت نسبة هَذَا القول إِلىَ الإمام مالك، وَلَكِنَّ صاحب كشف الخفاء قال: «كلُّ أحد يؤخذ من قوله ويردُّ عليه إِلاَّ صاحب هذا القبر - صلى الله عليه وسلم -، هو من قول مالك، بل في الطبراني عن ابن عبَّاس رَفَعَه: “ما من أحد إِلاَّ يؤخذ من قوله أو يدع”، وذكره في الإحياء بلفظ: “ما من أحد إِلاَّ يؤخذ من عمله ويترك إِلاَّ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ”. ومعناه صحيح، كذا في المقاصد، والله أعلم». العجلوني (ت: 1162هـ): كشف الخفاء، 2/ 155، رقم 1961. ووجدنا رواية شبيهة بها عن مجاهد. ينظر: البيهقي: المدخل إِلىَ السنن الكبرى، 1/ 107. ابن حزم: الإحكام، 6/ 291.