تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٩وقد كان مريد الفقه يشتغل أَوَّلاً بدراسة الكِتَاب وَالسُّنَّة فصار ـ في هَذَا الدور ـ يتلقَّى كُتب إمام مُعَيَّن، ويدرس طريقة استنباطه للأحكام، فيصير بِذَلِكَ فقيها. وكان أحدهم لا يستجيز لنفسه الإفتاء بما يخالف رأي إمامه، غلوًّا في الثقة بهم.
وبهذا أقاموا سدودا بين الأُمَّة ونصوص الكِتَاب وَالسُّنَّة، وأصبحت الشريعة هي نصوص العلماء وأقوالهم، وصار مبلغ أحدهم أن يفهم كلام أئمَّته، أَمَّا الاجتهاد فقد تناسوه وأوصدوا بابه في المائة الرابعة للهجرة.
ولم يكن علماء هَذَا الدور أقلَّ علما بأصول التشريع وطرق الاستنباط من الأسلاف، ولكن لم تكن لهم الجرأة الكافية للظهور بالاستقلاليَّة والحريَّة في الرأي. فَهَذَا الإمام الجوينيُّ بدأ تأليف كِتَاب سَمَّاهُ «المحيط» عزم فيه عَلَى عدم التقيُّد بالمذاهب، فَلَمَّا انتقد عَلَيْهِ البيهقيُّ أوهاما في بعض الأحاديث، وَأَنَّ إمامَ مذهبه (الشافعيَّ) لم يعتمد عَلَيْهَا لعلل أدركها، ترك الجوينيُّ إتمام التأليف(1).
ولئن كان موقف العلماء سلبيًّا من الاجتهاد المطلق، حَتَّى نادى بعضهم بغلق باب الاجتهاد، إِلاَّ أَنَّهُ قد كانت لهم أعمال جليلة، ترفع من شأنهم، فقد جمعوا الآثار، ورجَّحوا بين الروايات، وخرَّجوا علل الأحكام، واستخرجوا من الفروع أصول أَئِمَّتهم وقواعدهم التي بنوا عَلَيْهَا فتاويهم، وخاضوا معامع الحجاج والمناظرة، وبيَّنوا الصحيح من الضعيف … فهم مكمِّلون لمذاهب أَئِمَّتهم.
دعوى غلق باب الاجتهاد(2):
«مضت على تاريخ الفقه الإسلامي عصور ازدهار ذهبية أنجبت فقهاء مجتهدين أثرَوْا الفقه بآرائهم، وكانوا أكفاء لهذا المقام. ثم تلاهم من لم يبلغ مقامهم، فخشي بعض أهل الغيرة على الدين أن يلج هذا الحرم من ليس أهلا، فنادوا بغلق باب الاجتهاد لِئَلاَّ يتطاول على الله الجاهلون، ولا يَدَّعِي الفقه المبطلون(3).
فقد ذهب بعض الْمُتَأَخِّرِينَ من الشَّافِعِيَّة وَالحَنَفِيَّة إلى القول بغلق باب الاجتهاد المطلق. ثُمَّ تدارك الأمرَ العلماء اللاحقون، فدعوا إلى فتح باب الاجتهاد من جديد وكتبوا في ذلك كتبا ورسائل شتى(4).
وَلَكِنَّ الحنابلة قرَّروا بقاء بابه مفتوحا، وهم يقولون بعدم خلوِّ العصر من مجتهد قائم لله بِالحُجَّة. وهو ما قرَّره
(1) أ، رد الأشقر تفاصيل القِصَّة في كِتَابه: تاريخ الفقه، ص150 - 152.
(2) هَذَا العنصر منقول حرفيًّا من أطروحة الدكتوراه للأستاذ مصطفى بن صالح باجو: منهج الاجتهاد عند الإِبَاضِيَّة، ص486 - 487.
(3) حول غلق باب الاجتهاد وأسبابه، ينظر: الزحيلي، أصول الفقه، 2: 1085/ 1086.-ولتفصيل حال الاجتهاد في عصر الانحطاط الفكري والجمود الفقهي ينظر: الخضري، تاريخ التشريع، 379 فما بعد. – علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، 118/ 121.
(4) كتب السيوطي، رسالة في ذلك بعنوان: الرد على من أخلد إلى الأرض. وبيان أنَّ الاجتهاد في كل عصر فرض. وحشر لذلك أَدِلَّة عديدة، وأقوال علماء كثيرين في وجوب الاجتهاد ومنع التقليد. وَأَنَّهُ لا يخلو عصر من مجتهد. ينظر: عبد الرحمن السيوطي: الردُّ على من أخلد إلى الأرض، المطبعة الثعالبية، الجزائر. – كما كتب الشوكانيُّ رسالة هَامَّة في ذمِّ التقليد، سَمَّاهَا “القول المفيد في أَدِلَّة الاجتهاد والتقليد”، تحقيق عبد الرحمن عبد الخالق، ط المنيرية، 1348هـ، ط. دار القلم، الكويت، 1396هـ/1976م.