تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨٠الشيعة أيضا، بيد أَنَّهُم يشترطون وجود إمام من أئمَّتهم ضمن أهل الاجتهاد، لأَنَّ الحجة تقوم بقوله(1).
ولكن الإِبَاضِيَّة لم يغلقوا باب الاجتهاد يوما، ونصُّوا على أَنَّهُ ظلَّ مفتوحا لأهله، ولا يملك أحد أن يوصده إلى يوم الدين. وفي ذلك قال المزاتي: «من حرَّم الرأي على العالم المجتهد ضلَّ وكفر(2). وكذلك من جوَّزه وأحلَّه للجاهل ضلَّ وكفر أيضا. فالرأي حلال لِكُلِّ عالم في كُلِّ زمان ومكان، وحرام في كُلِّ زمان على كُلِّ جاهل»(3). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83] قال الوارجلانيُّ: «فأطلق لهم سبيل الاستنباط إلى يوم القيامة»(4). «ولكل أهل زمان في محدثاتها أحكام»(5). فباب الاجتهاد مفتوح ما توافرت في المجتهد شروط الاجتهاد(6)».
ثانيا - أسباب ظهور التقليد وانتشاره(7):
1 - الدعاية القَوِيَّة التي قام بها أنصار المذاهب المتَّبَعة، فملكت شغاف القلوب، وصار من لم يأخذ بها مبتدعا. وَمِمَّا ساعدهم عَلَى ذَلِكَ اتِّصَال بعض العلماء بالخلفاء والوزراء والأغنياء، ما جعل هَؤُلاَءِ يُسهمون في نشر تلك المذاهب بشتَّى الوسائل. ومن تلك الوسائل: تعيين مناصب الإفتاء والقضاء وفق المذهب الرسمي للدولة. ومنها: تخصيص أوقاف في التعليم لأتباع مذهب مُعَيَّن، وإنشاء المدارس وحصر التدريس فيها عَلَى مذهب دون آخر، وقد لا يتسنَّى للشيخ المدرِّس الاجتهادُ ومخالفة المذهب المقرَّر خوفا من انقطاع راتبه(8).
(1) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإِسلاَمِيَّة، 115 - 116.
(2) الكفر المراد هنا هو كفر النعمة، وهو المقصود بلفظ الكفر في اصطلاح الإِبَاضِيَّة، من باب حديث «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتَ ـ امِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: 112].
(3) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف (ت: 471هـ): التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية، 15و. أبو نوح سعيد بن زنغيل (ت: 358هـ): الرد على من زعم أن الله استوى على العرش على ما يُعقل، 202و.
(4) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت: 570هـ)، الدليل والبرهان، 3/ 224.
(5) الوارجلاني، الدليل، 3/ 226.
ونجد من الْمُتَأَخِّرِينَ الشيخ السالميَّ قد انتقد أهل زمانه في رغبتهم عن الاجتهاد لجهلهم به، وبصعوبته، فاكتفوا بحفظ أقوال الفقهاء، واعتمدوا عَلَى مُجَرَّد رواية الأقوال دون معرفة صحيحها من سقيمها، كما قال: «وقد حبسوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق». طلعة الشمس: السالمي، 1/ 14. وينظر: شريفي: الشيخ نور الدين السالمي، ص178.
(6) ينظر: Ennami، Studies، 99 - 100.
(7) السايس: تاريخ الفقه، 137 - 139. دروس الأستاذ عبد الوَهَّاب حميد أوجانة، ص32 - 33.
(8) وَرُبَّمَا أَدَّى الأمر بالبعض إِلىَ أن يتحوَّل عن مذهبه حفاظا عَلَى قوته، كما فعل محَمَّد الدهان النحوي إذ تحوَّل من مذهبه الحنبليِّ إِلىَ الشافعيِّ، ثُمَّ إِلىَ الحنفي، ثُمَّ إِلىَ الشافعيِّ ثانية، بسبب انتقاله من وظيفة إِلىَ أخرى. ينظر: الشعراني: الميزان، 1/ 37. نقلا عن الأشقر، تاريخ الفقه، ص154.
وانظر بعض الأمثلة عن دور السلطة في انتشار المذاهب الفِقْهِيَّة في المراجع الآتية: نظرة تَارِيخِيَّة في حدوث المذاهب الإِسلاَمِيَّة، لأحمد تيمور، ص9. مُقَدِّمَة ابن خلدون، ص448. ظهر الإِسلاَم، لأحمد أمين، 1/ 300. المذهبية المتعصبة، لمحَمَّد عيد عبَّاس، ص217. الأشقر: تاريخ الفقه، ص154 - 155.