تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٨

إِنَّ الإِنسَان مدنيٌّ بطبعه، لا يستطيع بِأَيِّ حال أن ينهض بشؤونه لوحده، فهو محتاج إِلىَ معونة بني جنسه. وبما أَنَّ النفوس قد جُبلت عَلَى الأثرة وحبِّ الذات، فَإِنَّ كُلَّ امرئ يسعى لاستيفاء حظِّه، وإشباع رغباته، واستجلاب حاجته من الآخر؛ فلو تُرك الناس وشأنهم، دون قانون يضبط العلاقات، وَيُبَيِّنُ الصواب من الخطأ في التَّصَرُّفات … لأصبح مقياس الخير هو ما وافق الهوى، ولتعارضت الميول، وتقاطعت المصالح، ولَتَسلَّط الإِنسَان عَلَى أخيه الإِنسَان، فتصبح الحياة مضطربة، وجحيما لا يطاق، لا هناء فيها، لا دافع فيها إلى الخير، ولا وازع عن الشرِّ، ولا رادع عن الضرِّ.

من أجل ذَلِكَ كانت حاجة الجماعات البَشَرِيَّة ماسَّة ـ منذ القديم ـ إِلىَ وضع أعراف تنظِّم سير حياتها، فتطوَّرت عَبْرَ الزمن لتأخذ صفة الإلزام، فأصبحت عَلَى شكل قواعدَ وقوانينَ يجب احترامها. ولم يشذَّ العرب ـ قبل البعثة ـ عن هَذِهِ القاعدة، فقد كانت بينهم أعرافٌ وتنظيماتٌ تُتناقل جيلا عن جيل شفويًّا ـ بسبب قلَّة الكِتَابة ـ منها أعراف منظِّمة للتعامل التجاريِّ، والتعامل الاِجتِمَاعِيِّ، كالعلاقة بين الرجل والمرأة، وبين العبيد وأسيادهم، وبين القبائل، سلما وحربا …

ب- حاجة الإِنسَان إِلىَ التشريع السماويِّ خُصُوصًا:

- التشريع السماويُّ ضروريٌّ لمعرفة كَيفِيَّة تحمُّل المسؤوليَّة(1): بما أَنَّ الله تَعَالىَ خلق الإِنسَانَ متميِّزًا بصفات عالية ترفعه عن مستوى الحيوانات، وسخَّر له ما في الكون، فَهَذَا التمييز والاصطفاء يستلزمان تحمُّل مسؤوليَّةٍ كبرى تجاه هَذَا الخالق الذي ميَّزه عن سائر المخلوقات، وَلِئَلاَّ يبقى حائرا في معرفة وظيفته ومسؤوليَّته تلك، فقد أرسل عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ رسلا يبلِّغونه دين الله، وَيُبَيِّنُون له كَيفِيَّة أداء هَذِهِ المسوؤليَّة.

- حاجة الناس إِلىَ التشريع السماويِّ أكبر من حاجتهم إِلىَ الطبيب: إذا كان الناس بحاجة إِلىَ الطبيب ـ مع أَنَّ علمه تجريبيٌّ كسبيٌّ ممكن التحصيل ـ فهم إِلىَ الشريعة السَّمَاوِيَّة أحوج، لأَنَّها وحيٌ من الله يستحيل اكتسابها بالتعلُّم أَو التجريب، فالتشريع السماويٌّ طبٌّ يعالج أمراضا ويصف أدويةً للروح، بل وللأبدان أَيضًا(2).

- معرفة طريقة العبادة لا تكون إِلاَّ من المعبود نفسه: تظهر حاجة البشر إلى الوحي أكثر في العبادة، فعند انعدام الوحي تَتَّخِذُ العبادة لدى البشر أشكالا مختلفة، ومذاهب شَتَّى، لأَنَّ العقل لا يصل ـ ولن يصل ـ إِلىَ معرفة طريقة العبادة المطلوبة منه إِلاَّ من المعبود نفسه، وهو الله عَزَّ وَجَلَّ. ولا تقتصر الحاجة إِلىَ الوحي عَلَى جانب العلاقة بين العبد وربِّه، بل تشمل كُلَّ جوانب الحياة(3).

- قصور العقل البشريِّ عن التشريع الكامل: بما أَنَّ العقل البشريَّ تدفعه الأهواء والرغبات، وتُؤَثِّرُ فيه

(1) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 181 - 182.

(2) السالمي: مشارق أنوار العقول، ص216. وينتن: آراء الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش العقديَّة، ص 208.

(3) وينتن: آراء، ص 209.

٨ / ١٠٩