تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٩

العواطف والاعتبارات، ولا يعلم شَيْئًا مِمَّا هو آت، فَإِنَّهُ من الضروريِّ وجود قانون لا يتأثَّر بِشَيْءٍ من تلك المؤثِّرات، ولا يوجد من له هَذِهِ المميِّزات، إِلاَّ الله خالق الإِنسَان وَكُلِّ الكائنات، فهو أعلم بما يصلح لها وما ينظِّم حياتها، كيف لا وهو خالقها، ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ (سورة الملك: 14)، وتشريعه هو التشريع الكامل الذي لا يعتريه أيُّ نقص، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3)، ولا يعتريه أيُّ خلل؛ لأَنَّهُ كما قال تَعَالىَ عن كِتَابه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت: 41 - 42)، وهو الخالي من التناقض والاختلاف: ﴿اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء: 82).

التشريع السماوي والتشريع الوضعي:

لقد جرى الاصطلاح عَلَى تسمية ما جاء من قِبل الله تَعَالىَ عَلَى لسان رسله بالشريعة السَّمَاوِيَّة، والذي تؤلِّفه الجماعة لنفسها بالتشريع الوضعيِّ، والأصوب أَنَّ الشريعة أو الشرع لا يطلقان إِلاَّ عَلَى ما جاء من عند الله.

الفروق بين التشريع السماويِّ والقانون الوضعيِّ(1):

فِي الأَصْلِ أَنَّهُ لا مجال للمقارنة بين ما وضعه الخالق وما وضعه المخلوق، فالبون شاسع. ومع ذَلِكَ يمكن أن نلخِّص الفروق بينهما فيما يأتي:

- التشريع السماويُّ يقصد إِلىَ تربية النفس وتهذيبها، ونشر الأخلاق الفاضلة، بينما القانون الوضعيُّ لا يهتمُّ إِلاَّ بما فيه علاقة بالناس، وإن تعرَّض إِلىَ ما يخصُّ المرءَ في نفسه، فبقدر ما يعود من ذَلِكَ عَلَى المجتمع. مثال ذَلِكَ: إجبار الناس عَلَى التعليم، فالقصد منه ترقية المجتمع، وتقليل الجرائم. ومثاله أَيضًا أَنَّ القوانين الْوَضْعِيَّة لا تعاقب عَلَى شرب الخمر باعتباره متلفا للعقل والمال، وَإِنَّمَا تعاقب عَلَيْهِ إذا كان في الطريق العامِّ؛ لأَنَّهُ قد يُؤَدِّي إلى الإضرار بالغير.

- الشرائع السَّمَاوِيَّة إيجابيَّة وسلبيَّة، فهي تأمر وتنهى، وترغِّب وترهِّب، وتقصد إِلىَ جلب المصالح ودرء المفاسد قصدا أَوَّليًّا، أَمَّا القوانين الْوَضْعِيَّة فإن كان فيها شَيْء من ذَلِكَ فبالتبع ـ أي درءًا للمفاسد في المجتمع ـ لا بالقصد الذاتي.

- جزاء الامتثال أو العصيان في الشرائع السَّمَاوِيَّة دنيويٌّ وأخرويٌّ، فَلَيْسَ مَعْنَى انْفِلاَتِ الشَّخْصِ مِنَ الْجَزَاءِ الدُّنْيَوِيِّ انْفِلاَتَهُ مِنَ الْجَزَاءِ الأُخْرَوِيِّ. أَمَّا في القوانين الْوَضْعِيَّة فالجزاء دنيويٌّ تقوم عَلَى تنفيذه السلطات التنفيذيَّة والقضائيَّة. لِذَا كان الامتثال للشريعة السَّمَاوِيَّة أقوى، سواء في السرِّ أم في العلن، وسواء في ظلمة الليل أم في رابعة النهار. وَأَمَّا القوانين الْوَضْعِيَّة فتفتقد هَذِهِ الرقابة الدَّاخِلِيَّة؛ لِذَلِكَ يسعى واضعوها لإقناع الناس بجدواها.

(1) ينظر: السايس: تاريخ الفقه، ص 9 - 13. القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص19 - 22. عبد الوهاب: دروس، ص2. (بتصرف).

٩ / ١٠٩