تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٨١

2 - ضعف الثقة بالقضاة، فقد كانوا قبل هَذَا الدور موثوقا بهم، إذ يُختارون من ذوي العلم والتقى والزهد والورع، ومن القادرين عَلَى الاستنباط من كِتَاب الله وسنَّة رسوله. أَمَّا في هَذَا العصر فقد ساءت حالهم، وظهر الجور، وشاعت الرِّشَا، فكانوا يتخيَّرون من أقوال المفتين ما يوافق أطماعهم وأهواءهم؛ فتزعزعت ثقة الناس بهم. ودرءًا لهذا الفساد، صار أهل كُلِّ قطر يختارون قاضيهم من أهل مذهبهم لا يحيد عنه في أحكامه.

3 - تدوين المذاهب كان سببا في نجاحها وانتشارها وبقائها، وسببا في الاستغناء عن تكلُّف البحث من جديد، إذ كان التدوين مُقرِّبا لتناولها. ألاَ ترى إِلىَ اندراس مذاهب كبار الصحابة والتابعين ـ عَلَى كثرتها وعظم شأنها ـ بخلاف للمذاهب الباقية إِلىَ الآن؟ وما ذاك إِلاَّ لأَنَّهَا لم تسعد بالتدوين. قال الشافعيُّ: كان الليث أفقه من مالك إِلاَّ أَنَّ أصحابه ضيَّعوه.

4 - الغلوُّ في تعظيم الأَئِمَّة والتعصُّب لهم إِلىَ درجة التقديس، ولم يكن بَدْءُ الشرك في قوم نوح إِلاَّ بتقديس صالحيهم(1). وَرُبَّمَا قُدِّمت أقوالهم عَلَى النصوص الصريحة، متعلِّلين بِأَنَّ علماءنا السابقين أعلم مِنَّا بالنصوص، وَرُبَّمَا اطَّلَعوا عَلَى ما لم نطَّلع عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كان هَذَا منسوخا، أو لا يراد ظاهره. وهل كان هلاك أهل الكِتَاب إِلاَّ بترك شرع الله، واتباع أحبارهم في التحليل والتحريم؟

هَذَا الغلوُّ في التعظيم مِمَّا كبَّل العقول، فصار البعض يعتبر القول بغير آرائهم لا خروجا عن المذهب فحسب، بل خروجا عن الدين، فما بالك بالجرأة عَلَى معارضة أقوالهم وردِّها!!.

5 - عدم اتِّبَاع المنهج العلمي في التوثيق، ففي مُؤَلَّفَات هَذَا العصر خلطٌ كبير فيما ينقلونه من آراء السابقين وما ينسبونه إِلىَ أَئِمَّة المذاهب، وما يزعمونه من ترجيح الإمام لرأي عَلَى غيره، مع أَنَّهُ بإمكانهم الرجوع إِلَيْهَا مباشرة، والتحقُّق من النقول.

والأدهى من ذَلِكَ استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وعدم تحقيقهم في صحَّتها من مظانِّها، كُلُّ هَذَا من أجل الانتصار للمذهب، فيزاد في الحديث ويُنقص مِمَّا يُحيل المعنى أو يفسده؛ لأَنَّهُ نَقَله من كِتَاب فقهيٍّ بما فيه من أخطاء، وَمِمَّن وقع في مثل هَذَا: الغزالي وأبو المعالي الجويني. وقد حاول المحدِّثون سدَّ هَذِهِ الثغرة بتخريج الْمُؤَلَّفَات الفِقْهِيَّة المشهورة، كما سنرى.

6 - ضعف الدولة الإِسلاَمِيَّة، فالفقه كسائر العلوم والصنائع، يتأثر إيجابا وسلبا، باستقرار الدولة وَقُوَّتها، أو باضطرابها وضعفها، ثُمَّ سقوطها(2).

(1) ففي صحيح البخاري أَنَّ وُدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا كانت أَسْمَاءَ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، «فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ». كِتَاب تفسير القرآن، باب قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وُدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، حديث رقم 4636.

(2) يقول ابن خلدون: «إِنَّ تعليم العلم من جملة الصنائع، والصنائع إِنَّمَا تكثر في الأمصار، وَعَلَى نسبة عمرانها في الكثرة وَالقِلَّة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة؛ لأَنَّهُ أمر زائد عَلَى المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إِلىَ ما وراء المعاش من التَّصَرُّف في خَاصِّيَّة الإِنسَان، وهي العلوم والصنائع». ابن خلدون: مُقَدِّمَة، ص437. نقلا عن الأشقر، ص153.

٨١ / ١٠٩