تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٨٥

3 - المناظيم:

اهتمَّ بعض العلماء بنظم الكتب السابقة في مختلف الفنون ليسهل عَلَى الطالب حفظها. وَلَعَلَّ هَذِهِ الظاهرة لدى الإِبَاضِيَّة أبرز ما تكون عند المشارقة منهم(1)، ولا تزال متَّبعة إِلىَ عهد قريب. فنجد أحدهم يعمد إِلىَ الكتب الفِقهِيَّة المطوَّلة المنثورة فينظمها، مثال ذَلِكَ: نظم كِتَاب شرح النيل، للشيخ محَمَّد بن شامس البطاشي، الذي يقع في 124 ألف بيت، في عشرة أجزاء، بعنوان: «سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب». ومن ذَلِكَ قيام الشيخ السالمي بنظم مختصر الخصال للحضرميِّ في أكثر من ألفيْ بيت(2)، وَسَمَّى نظمه: “مدارج الكمال”(3).

ب- مميزات التأليف من حيث المضمون:

1 - تعليل الأحكام:

تلقَّى علماء هَذَا الدور عن أسلافهم مسائل فرعية كثيرة، قدَّروها وفرضوها قبل أن تقع، فاعتنى الخَلَف بضبطها، وردِّ بعضها إِلىَ بعض، ومعرفة الفروق بينها، وتخريج مناط الأحكام، حَتَّى يتسنَّى لهم القياسُ عَلَيْهَا، ويتمكَّنون من مناظرة خصومهم، فتكونَ تلك الضوابط دروعا حصينة في الهجوم والدفاع. خَاصَّةً إذا علمنا أَنَّ كثيرا من تلك القواعد والأصول لم ينصَّ عَلَيْهَا الأَئِمَّة بالتعيين، ولم تَصِحَّ بها رواية عنهم، وَإِنَّمَا هي قواعد مستخرجة باستقراء كثير من الفروع. فألَّف البزدويُّ الأصول في مذهب الْحَنَفِيَّة، والقرافيُّ والقاضي عياض قواعد في مذهب مالك، وأبو سعيد الكدمي وابن بركة والوارجلاني في أصول الإِبَاضِيَّة.

وكان الأحناف أكثر المشتغلين بهذا النوع من التأليف؛ لأَنَّهُم يعوِّلون عَلَى كتب محَمَّد بن الحسن الشيباني، وهي في أغلبها فروعٌ خالية من العلل، وَلأَنَّهُم أقران الشَّافِعِيَّة في ميدان المناظرة، فكان لاَ بُدَّ لهم من تقوية فروعهم بالأدلَّة وضبط العلل. أَمَّا الشَّافِعِيَّة فقد كفاهم إمامُهُم مؤونة هَذِهِ المشقَّة بتأليف رسالته، وتدوين ما كَانَ بينه وبين غيره من مناظرات دعَّمها بالدليل. أَمَّا الْمَالِكِيَّة والحنابلة وَالإِبَاضِيَّة فقد كانوا بعيدين عن مجالس المناظرة التي تحفِّز الهمم، إِلاَّ أَنَّهُم استفادوا منها في تآليفهم.

2 - الترجيح بين الآراء المختلفة في المذهب:

الترجيح عَلَى نوعين: من جهة الرواية، ومن جهة الدراية.

فَأَمَّا من جهة الرواية فَإِنَّ النقل عن الإمام قد يختلف، فيروى عنه أكثر من قول في المسألة الواحدة، وَهَذَا ناشئ عن أمور:

- تفاوت الضبط والتثبُّت عند النقل من راوٍ لآخر.

- رجوع الإمام عن قوله الأَوَّل، فيروي بعض تلامذته قوله الأَوَّل، ويروي الآخرون القول الثاني.

(1) لم يقتصر الشعر لدى العمانيِّين عَلَى الأغراض المعروفة لدى عَامَّة الشعراء، بل تعدَّاها إِلىَ فنون قلَّما يؤلَّف فيها نظما، كالتاريخ، مثل: قصيدة سموط الجمان في أسماء شعراء عمان: لمحَمَّد بن راشد بن عزيز الخصيبي.

(2) انظر: مدارج الكمال: نور الدين السالمي، نشر دار الكِتَاب العربي، مصر، د. ت. 211ص.

(3) مصطفى شريفي: الشيخ نور الدين السالمي، (مرقون) ص 52 - 53، 147.

٨٥ / ١٠٩