تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٨٦

- أن يكون أحد القولين مبنيًّا عَلَى القياس، والآخر عَلَى الاستحسان، فينقل كلُّ راوٍ ما سمع.

- أن يكون أحد القولين من جهة الحكم والثاني من جهة الاحتياط، فينقل كلٌّ ما سمع.

لهذا عمل العلماء عَلَى الترجيح بين الروايات، «فرجَّح الْحَنَفِيَّة روايات محَمَّد بن الحسن عَلَى غيره … ورجَّحوا مِمَّا رواه محَمَّد كُتبه التي رواها عنه الثقات كأبي حفص الكبير والجوزجاني، وسمَّوها ظاهر الرواية. ورجَّح الشَّافِعِيَّة ما يرويه الربيع بن سليمان عَلَى ما يرويه حرملة والجرمي، وإذا تعارضت رواية الربيع مع رواية المزني قَدَّموا رواية الربيع مع اعترافهم بعلوِّ كعب المزني في الفقه، وترجيحه في ذَلِكَ عَلَى الربيع. ورجَّح الْمَالِكِيَّة رواية ابن القاسم عن مالك عَلَى سائر الروايات عنه، وقد يختلف النقل عن ابن القاسم فيرجِّحون روايات أشهب عَلَى روايات ابن عبد الحكم»(1).

وَأَمَّا النوع الثاني من الترجيح من جهة الدراية، فَإِنَّهُ يكون بين الروايات الثابتة عن الأَئِمَّة إذا اختلفت، وَهَذَا يحتاج إِلىَ ملكة فِقهِيَّة وخبرة تَامَّة بأصولهم وطرقهم في الاستنباط، فيرجِّحون ما يَتَّفِقُ مع تلك الأصول والقواعد.

3 - الانتصار للمذاهب:

قام كُلُّ فريق من العلماء في هَذَا الدور بنصرة المذهب الذي يعتنقه، بشتَّى الوسائل، ومن مظاهر ذَلِكَ:

- الإكثار من الكتابة في مناقب الأَئِمَّة، علما وورعا وزهدا، وَقُوَّةً في الحجَّة، وتمسُّكا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة.

- تتبُّع مواطن الخلاف وتصنيف الكتب فيها، وذكر أَدِلَّة كُلِّ فريق، وترجيح مذهب الإمام المقلَّد عَلَى كُلِّ حال؛ فجرَّهم ذَلِكَ إِلىَ تقرير أحكام قد تنبو عن قواعد الشريعة، واتَّهم بعضُ الفقهاء بَعْضًا بِأَنَّ أئمتهم خالفوا الكِتَاب وَالسُّنَّة في بعض المسائل.

- التسابق في ميدان المناظرة والجدل، كلٌّ منهم يسوق حججه عَلَى صِحَّة مذاهبه. وفي مقام المناظرة يراعي الخصمان الترويج لجانبه، ومغالبة خصمه ومغالطته، دون مراعاة جانب الحقِّ(2)، خَاصَّةً إذا كانت المناظرة بمحضر الكبراء والأمراء.

(1) السايس: تاريخ الفقه، ص131 - 132.

هَذَا ومع الأسف لم نجد فيما بين أيدينا من مصادر الإِبَاضِيَّة ما يَدُلُّنا عَلَى هَذَا النوع من الترجيح بين روايات أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة، خَاصَّةً الإمام جابر بن زيد، وقد رويت عنه آراء متعارضة، يعرفها من يقف عَلَى كِتَاب «فقه الإمام جابر بن زيد» الذي جمعه الأستاذ يحيى بكُّوش، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التأصيل لدى الإِبَاضِيَّة يحتاج إِلىَ اهتمام وجهد كبير من قبل الباحثين.

وقد عقد الدكتور مصطفى باجو في أطروحته بابا للتعارض والترجيح، وَلَكِن لبيان الترجيح بين الأَدِلَّة لا بين الروايات. ينظر: باجو: منهج الاجتهاد عند الإِبَاضِيَّة، 2/ 633 فما بعد.

(2) فقد قال أبو حامد لظاهر العباداني: «لا تَعلَقْ كثيرا بِمَا تسمع مِنِّي في مجالس الجدل، فَإِنَّ الكلام فيها يجري عَلَى ختل الخصم ومغالطته ودفعه ومغالبته». السايس: تاريخ الفقه، 133.

٨٦ / ١٠٩