تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨٧جـ- نتائج هذه الطرق في التأليف:
- انقطاع الصلة بين علماء الأمصار، فقد كانت الرحلات لطلب العلم كثيرة إِلىَ مختلف الأقطار، لتلقِّي مشافهةً من الأقطاب، ولا يخفى ما في ذَلِكَ من فوائد بمناقشتهم، ومدارستهم، فالتلقِّي ـ مقارنة بالمطالعة المجردة ـ يعتبر أشحذ للذهن، وأيقظ للفكر، وأقرب توصيلا للمراد، وأبعد عن الإبهام والإيهام والاحتمال، إذ يسهل عَلَى المتلقِّي الاستفسار عَمَّا يعزب عنه، وقد لا يحتاج إِلىَ دراسة للمصطلحات المختلفة باختلاف المؤلفين، والتي قد تأخذ منه وقتا طويلا(1).
- كثرة التآليف كان سببا في الاشتباه والاختلاط، وتثبيط طالب العلم عن الاجتهاد والاستنباط. قال ابن خلدون: «اعلم أَنَّهُ مِمَّا أضرَّ الناس في تحصيل العلم، والوقوف عَلَى غاياته: كثرة التآليف، واختلاف الاصطلاحات في التعليم، وتعدد طرقها، ثُمَّ مطالبة المُتعَلِّم باستحضار ذَلِكَ، وحينئذ يسلَّم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلِّم إِلىَ حفظها كُلِّهَا أو أكثرها، ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كُتب في صناعة واحدة، إذا تجرَّد لها فيقع القصور ـ وَلاَ بُدَّ ـ دون رتبة التحصيل»(2).
رابعا - السنَّة والفقه في هَذَا الدور(3):
1 - السنَّة النَّبَوِيَّة:
اهتمَّ علماء الحديث في هَذَا الدور بتصنيف الكتب المستوعبة للسنة النَّبَوِيَّة ـ كما أشرنا سابقا ـ وبتخريج أحاديث كتب الفقه.
أ - الكتب المستوعبة:
- جامع الأصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محَمَّد (ت: 606هـ)، جمع فيه أحاديث الكتب الستة المعتمدة، وهي: الموطَّأ، صحيحَا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وقد حذف أسانيد الأحاديث ولم يثبت إِلاَّ اسم الصحابيِّ. وقد رتَّب الأبواب وفق حروف المعجم، و «أثبت ما وجده في كتب الغريب واللغة والفقه من معنى مستحسن أو نكتة غريبة».
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لعليِّ بن أبي بكر الهيثمي (ت: 807هـ)، أضاف إِلىَ الكتب التي جمعها ابن الأثير سِتَّة كتب أخرى.
(1) انظر: مُقَدِّمَة ابن خلدون فقد تحدَّث عن أَهَمِّيَّة التلقي المباشر عن المشايخ وتعدُّدهم، لِمَا فيه ـ إضافة إِلىَ ما ذُكر ـ من محاكاة المشايخ في الأخلاق والفضائل.
(2) ابن خلدون: مُقَدِّمَة، ص 587.
(3) الأشقر: تاريخ الفقه، 114 - 130.