تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨٩إتمامه، فأكمله ابنه الفضل. وقد كان أسلوبه في النقد لاذعا.
- المغني لابن قدامة المقدسي، موفَّق الدين أبي محَمَّد عبد الله بن أحمد (ت: 620هـ). شُهد له بالتبحُّر في مختلف العلوم. شَرَحَ في كِتَابه مذهبَ إمامه أحمد بن حنبل واختيارَه، وَجَمَعَ إِلَيْهِ أقوال أَئِمَّة المذاهب وأدلَّتَها.
- «المجموع شرح المهذَّب»، أبي زكرياء يحيى بن شرف النووي الدمشقي (ت: 676هـ)، عالم في الحديث والفقه واللغة، شرح فيه كِتَاب المهذَّب لأبي إسحاق الشيرازي، بعد أن سلك منهج التوسُّع في كِتَابه، عدل عن ذَلِكَ خوف التطويل وسأم المطَّلع عَلَيْهِ. إضافةً إِلىَ شرح محتوى المهذَّب فقد خرَّج أحاديثه، وبيَّن الصحيح والضعيف منها. وقد أجاد النوويُّ في تجميع أقوال الشَّافِعِيَّة، صحيحها وضعيفها، وأفاد في التمييز بينها، وامتاز في نقل الأقوال بالرجوع إِلىَ كتب أصحابها. عاجلته المنيَّة قبل إتمام هَذَا الكِتَاب، إذ بلغ إِلىَ باب الربا من أبواب البيوع.
وتكمن فائدة هَذَا النوع من الْمُؤَلَّفَات فيما يأتي:
1 - أَنَّهَا من الفقه المقارن، بين أقوال الفقهاء من مختلف الأعصار والأمصار.
2 - امتيازها بالمناقشة العِلمِيَّة دون تعصُّب ـ غالبا ـ يحدوهم في ذَلِكَ قُوَّة الدَّلِيل، تغني المطالع عن مراجعة الكتب المختلفة.
3 - أَنَّهَا تسوق الأحكام بأدلتها، مِمَّا يمكِّن أهل العلم ـ من أيِّ مذهب ـ من أخذ أمور الدين عَلَى بصيرة.
4 - مسلك هَؤُلاَءِ ينشر الودَّ والتسامح بين المسلمين، ويستأصل العصبية والعداوة من نفوسهم، وإن جاوز ابن حزم الطريق في هَذَا الجانب.
5 - «ذكرهم لأدلَّة الآراء الفِقْهِيَّة يُؤَكِّدُ استقلال الفقه الإِسلاَمِيِّ، ويبطل ادعاء أَنَّهُ مستمدٌّ من القانون الروماني.
6 - ذكرهم لمسائل الإجماع والخلاف يعين الدعاة إِلىَ الله بمعرفة ما اختلف فيه، فلا يتصدَّون لإنكاره عَلَى أحد»(1).
3 - القواعد الفِقْهِيَّة:
تنبَّه المسلمون إِلىَ أَنَّ كثيرا من آيات القرآن الكريم آيات جامعة لمعاني كثيرة في ألفاظ قليلة، كما أوتي الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من جوامع الكلم، بحيث إِنَّ منها ما يعدُّ أصولا وقواعد جامعة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الأعمال بالنيات»، وقوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن … »، وقد أخذ العلماء بعض هَذِهِ الأحاديث فجعلوها قواعد فِقهِيَّة، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار»، أَو صاغوا منها قواعد قريبة الللفظ، كقولهم: «الأمور بمقاصدها»، الذي أخذوه من حديث النية.
ومن هَذِهِ القواعد: «اليقين لا يزول بالشكِّ»، «الأصل براءة الذِّمَّة»، «الأصل في الأشياء الإباحة»، «المشقَّة تجلب التيسير»، «الضرورات تبيح المحظورات»، «الأصل في الكلام الحقيقة»، «لا اجتهاد مع النصِّ»، «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، «الغنم بالغرم» …
(1) الأشقر: تاريخ الفقه، ص130.