تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٩١

النوع الأَوَّل:

هم المجتهدون العالمون بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة وأقوال السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وَالأَئِمَّة، يُعنون بالدليل ويرجحون بين الأقوال، وَهَؤُلاَءِ ـ رغم قِلَّتهم في هَذَا العصر ـ إِلاَّ أَنَّهُ لم يخل منهم زمان. ومنهم: العزُّ بن عبد السلام (660هـ)، الذي نَبَذَ التقليد والتعصُّب، ودعا إِلىَ الاجتهاد والنظر. ومنهم: ابن تيمية (ت: 728هـ) الذي نادى بالرجوع إِلىَ مذهب السلف الصالح. ومنهم: محَمَّد بن إسماعيل الكحلاني، الشهير بالصنعاني (ت: 1182هـ)، صاحب سبل السلام، ومحمَّد بن علي الشوكاني (ت: 1250هـ)، صاحب نَيْل الأوطار وكلاهما من اليمن. ويبدو أَنَّ الشيخين: امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش (ت: 1332هـ) صاحب شرح النيل، وأبو محَمَّد عبد الله بن حميد السالمي، الشهير بنور الدين السالمي (ت: 1332هـ) من هَذَا الصنف.

وَهَذَا الصنف من العلماء لا يتقيد بمذهب مُعَيَّن، وَإِنَّمَا يقصد إِلىَ موافقة الحقِّ، «ولا ينافي هَذَا أن يقلِّد غيره أحيانا، فَإِنَّكَ لا تجد أحدا من الأَئِمَّة إِلاَّ وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام». وَهَؤُلاَءِ هم الذي قال فيهم رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»(1).

النوع الثاني:

مجتهدون مقيَّدون في مذهب من ائتمُّوا به، عارفون بفتاواه، ومآخذ أصوله، متمكِّنون من التخريج عَلَيْهَا، وقياس ما لم يَنصَّ عَلَيْه، من غير أن يكونوا مقلِّدين له في الحكم ولا في الدَّلِيل، لكن سلكوا طريقته ومقصده في الاجتهاد والفتيا.

وقد ادَّعَى هَذِهِ الرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى. ومن الشَّافِعِيَّة خلق كثير.

واختَلف الْحَنَفِيَّة في أبي يوسف وزُفر بن الهذيل، والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمَّد بن نصر. والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب. والحنابلة في أبي حامد والقاضي، هل كان هَؤُلاَءِ مستقلِّين في الاجتهاد أم متقيِّدين بمذاهب أئمتهم؟ ويبدو أَنَّهُم دون النوع الأَوَّل.

النوع الثالث:

مجتهدٌ في مذهب إمامه، متقن لفتاويه، لا يدعى الاجتهاد، ولا التقليد، وهو لا يتعدَّى أقوال إمامه وفتاويه ولا يخالفها البتَّة، وَهَذَا شأن أكثر المصنِّفين في مذاهب أَئِمَّتهم، مستغنين عن العودة إِلىَ نصوص الكِتَاب وَالسُّنَّة، مكتفين باستنباطات أَئِمَّتهم الذين كفوهم مؤونة البحث ومشقَّته، «وقد يرى إمامَهُ ذَكَرَ حكما بدليله فيكتفي هو بِذَلِكَ الدَّلِيل من غير بحث عن معارض له»(2).

وكثير منهم يزعم أَنَّ إمامه أقرب إِلىَ الحقِّ وأولى بالاتباع، ومنهم من يغلو فيوجب اتِّباعه ويمنع اتِّباع غيره.

(1) رواه أبو داود وقال: «رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ لَمْ يَجُزْ بِهِ شَرَاحِيلَ»، كِتَاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، رقم 4291.

(2) الأشقر: تاريخ الفقه، ص139.

٩١ / ١٠٩