تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٩٩

التقنين الرسمي:

وَأَوَّلُ تقنين رسمي للأحكام الشَّرعِيَّة كان عَلَى يد الأتراك، لِمَا لوحظ من ضعف القضاة عن التمييز بين الآراء المختلفة في الكت الفِقْهِيَّة، فاقتضى الأمر علاج هَذِهِ الحالة بجمع الأحكام وصياغتها في شكل قانون يسهل الوصول إِلَيْهَا. فكُلِّفت لجنة من مشاهير الفقهاء بهذا العمل، فأتمَّت اللجنة عملها خلال السنوات 1285 - 1293هـ/1869 - 1876م، فصَّلت فيه الأحكام وفق أبواب الفقه، مرقَّمة تسلسليًّا في 1851 مَادَّة. وأصدرت الإدارة السلطانية أمرا بالعمل بما في مَجَلَّة الأحكام العدلية في محاكم الدولة. ثُمَّ أخذ التغيير يَمَسُّها شَيْئًا فَشَيْئًا، إِلىَ أن ألغيت أحكام المجَلَّة، إِلاَّ ما يَتَعلَّقُ بالأحوال الشَّخصِيَّة(1).

التقنين غير الرسمي:

«قام بعض العلماء بتقنين أحكام الشريعة الإِسلاَمِيَّة، وَلَكِن لم يصدر أمرٌ بتبنِّي هَذِهِ القوانين وإلزام القضاة بها، كما حدث في مَجَلَّة الأحكام؛ وَلِذَلِكَ لم تعتبر هَذِهِ الأعمال قوانين نافذة …

1 - وَأَوَّلُ عمل من هَذَا القبيل ما قام به “محَمَّد قدري باشا” في مصر، ويبدو أَنَّ عمله هَذَا كان في بدايته بتفويض من الحكومة المصرية لامتصاص النقمة التي أثارها تحكيم قانون نابليون في رقاب المسلمين … وقد جمع “محمد قدري” الأحكام الشَّرعِيَّة معتمدا عَلَى مذهب أبي حنيفة، مسترشدا بمجلة الأحكام العدلية»(2).

2 - «ملخَّص الأحكام الشَّرعِيَّة عَلَى المعتمد من مذهب مالك، لمحمد محَمَّد عامر.

3 - «مَجَلَّة الأحكام الشَّرعِيَّة عَلَى مذهب أحمد»، للقاضي أحمد بن عبد الله القاري (ت: 1359هـ).

4 - «التشريع الجنائي الإِسلاَمي»، لعبد القادر عودة.

وهناك جهود فردية أخرى.

فوائد التقنين وعيوبه:

إِنَّ جمع الأحكام في مدونة واحدة، وتبويبها عَلَى أساس منطقي، ورفع ما بينها من تناقض، يُؤَدِّي إِلىَ سهولة التعرُّف عَلَيْهَا، وتطبيقها عَلَى أولي الأمر، والحكم بمقتضاها عَلَى القضاة …

إِلاَّ أَنَّهُ من جهة أخرى يوقف الاجتهاد، ويُلزم اتِّبَاع القانون وفق مذهب واحد، بل مَادَّة واحدة، ويمنع من النظر في غير ما قُنِّن؛ فهو ينقل العلماء من النظر في القرآن وَالسُّنَّة إِلىَ دائرة القوانين الضَّيِّقَة، «ويجعل النصوص الشَّرعِيَّة مُجَرَّد مصدر تاريخي للقانون الإِسلاَمِيِّ المقنَّن، وَهَذَا يجعل الفقهاء الأتقياء يتحرَّجون من التقنين،

(1) ينظر بعض التفاصيل حول تَطَوُّر تقنبن الأحوال الشَّخصِيَّة في بعض البلدان الإِسلاَمِيَّة: تاريخ الفقه، للأشقر، ص189 - 191.

(2) المصدر نفسه: ص191.

٩٩ / ١٠٩