الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٠أن كون الأمر بالإصلاح بين الطرفين المتقاتلين موجهاً إلى طرف ثالث غيرهما وارد لكنه غير لازم، ولربما جاز ذلك إن كان المتقاتلان طائفتين لا ينتمي الإمام إلى إحداهما، فيكون الإمام هو الذي يصلح بينهما أو يقاتل الطائفة الباغية، أو يأمر من يقوم بذلك. أما إذا بغت فئة على إمام المسلمين وجماعته فمن غير المنطقي أن ينتظر طرف ثالث ليحل النزاع. ويلزم حينئذ ألا يتم إصلاح إن لم يوجد طرف ثالث قادر على ذلك. ويلزم منه أيضاً أن من بان له الحق مع جانب أنه لا يجوز له القتال معه حتى يتم الصلح، وهذا منافٍ لاشتراك معظم الصحابة مع علي، وندم عبدالله بن عمر على عدم اشتراكه معه(1). يقول الشيخ التباني: "فأي مبدأ ديني يجب على الأمة الوصول إلى تقريره أعظم من نصرها إماماً عادلاً قد بايعته على من امتنع عن بيعته وحاربه بطائفة منها"(2). وأيضاً فإن الطرف الثالث المتمثل في الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاص لم يكن "قوياً قادراً على ردع الطائفة الباغية إلى الحد الذي يرجعها إلى أمر الله ورسوله".
وأما كون الدعوة إلى التحكيم تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ فقد مضى بيان أنها تجاوزت مرحلة الإصلاح بأن الإمام علياً قد دعا معاوية إلى التفاوض فأبى. على أن الدعاء إلى التحكيم صدر عن الفريق الباغي الذي أوشك على الهزيمة، وقد تبين بذلك أن رفع المصاحف إنما كان خديعة ومكراً ودهاءً كما سبق نقله عن الإمام علي. على أنه يلزم أيضاً أن يكون الإمام علي - لو لم يوافق على وقف القتال - مخطئاً لتركه إجابة الدعوة إلى التحكيم.
كذلك فمن غير المسلم به عدم إمكان تصور أن تتقاتل طائفتان مؤمنتان إلا إذا كانت كل منهما تعتقد أنها على الحق أو يغلب على ظنها أنها كذلك، فإن الثورات والانقلابات من أجل السلطة أمور مشاهدة لا تنكر. ولئن سلم ذلك الافتراض في أهل
(1) / البلاذري (الأنساب) جـ2 ص404/ ابن عبد البر (الاستيعاب) جـ3 ص1117، رقم 1855، ويروي عن الإمام علي لما سئل عن الذين قعدوا عن بيعته ونصرته والقيام معه قال: "أولئك قوم خذلو الحق ولم ينصروا الباطل"، انظر: ابن عبدالبر الاستيعاب) جـ2 ص610.
(2) / التباني (تحذير العبقري) جـ2 ص68.