الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠١

الشام فإن الخروج على الإمام الذي انتخبته الأمة والامتناع من بيعته - لأية دعوى كانت قبل التفاوض معه - أمر لا مسوغ له.

كما أن التصور بأن المقصود من هذه الآية استمرار إحدى الطائفتين في قتال الأخرى حتى تفيء فإنه -بالإضافة إلى إمكانه - قد تحقق في موقعة الجمل حين قاتلهم الإمام علي إلى أن قضى على ثائرتهم. واحتمالية أن تكون الطائفة الباغية هي الأقدر على إفناء الأخرى غير الباغية لا يلغي النص بالأمر بقتالها والحكم عليها بالبغي، ولذا جاء عن عمار قوله: "والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل"(1). كما أن حقيقة الأمر في صفين مباينة لهذه الصورة المفترضة، فقد تقدم أن أهل الشام كانوا على شفا جرف من الهزيمة، مما يؤكد قدرة الإمام علي وأصحابه -ساعتئذ- على إرغامهم على الفيء إلى أمر الله.

وأما ما ذكره د. عليان من الوجهين في معنى ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ فإنهما متوجهان إلى أهل الشام، ولا يصح أن يحملا على الإمام علي الخليفة الشرعي، وإلا لزم على الأول وهو "بغت بالتعدي بالقتال" أن يكون الإمام علي ومن معه هم البغاة، وللزم على الثاني وهو "بغت بالعدول عن الصلح" مصادمة الواقع، بمعنى أن الإمام علياً كان هو الساعي إلى الصلح قبل القتال، فمعنى الآية ينطبق تماماً على معاوية وأصحابه. وأما المعنيان اللذان ذكرهما في قوله تعالى: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ فإن الأول وهو "أن ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به" يحمل على ما إذا كانت الطائفتان المتقاتلتان ليست إحداهما طائفة الإمام الشرعي. أما الإمام الشرعي فلا مناص من الرضوخ لشرعيته، وهذا ما فعله الإمام علي مع أهل الجمل، ولم يكن ثمة صلح. فيبقى إذن المعنى الثاني وهو "الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فيما لهم وعليهم" وهذا هو ما دعاهم إليه الإمام علي قبل القتال، ومخالفة أهل الشام لهما كانت السبب لمقاتلتهم

(1) //ابن أيي شيبة (المصنف) جـ15 ص289، 297، 299/ البلاذري (الأنساب) جـ1 ص171 جـ3 ص95/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص98.

١٠١ / ٤٥٢