الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٢

"عرفنا إخواننا الحق فتبنا"(1). وحينئذ فمن الطبيعي أن يعاتب الإمام علي من كانوا معه على وقف القتال ثمّ تركوه إلى رأي المعارضين. ولعل وجود طائفة في صفوف أهل حروراء كانت من قبل تؤيد وقف القتال هو الذي سوّغ - بعد فترة من الزمن- لأن تسحب فكرة (القراء الذين أجبروا عليّاً على قبول التحكيم ثمّ صاروا خوارج بعد ذلك) على جميع أهل حروراء.

هذا، وتتفق كثير من الروايات على أن أهل حروراء طلبوا من الإمام علي إعلان توبته عن التحكيم بعد أن أعلنها من كان مائلاً إليه فقال كرم الله وجهه: "أستغفر الله وأتوب إليه"(2).

وعلى إثر ذلك دخلوا كلهم الكوفة.

وهذا يفسر الروايات التي تقول بأن عليّاً كلمهم حتى أجمعوا هم وهو على الرضا فرجعوا حتى دخلوا الكوفة على الرضا منه ومنهم(3). وهو السبب الذي يمكن من خلاله توجيه دخول أهل حروراء الكوفة إثر المناظرة لأنهم دخلوها "وهم يظهرون التحكيم"(4)، ولأنهم "رفضوا فكرة التحكيم من أساسها ولم يكن ثمة ما يدفعهم إلى قبولها مشروطة، وهو أمر يتفق وصرامتهم في الدين وبغضهم لألاعيب السياسة وحيلها، ولأن الخلاف ما لبث أن احتد بين الطرفين من جديد قبل ظهور نتيجة التحكيم"(5)، وذلك بعدما عرفوا من الإمام علي عودته ثانياً إلى التمسك بفكرة التحكيم.

(1) / الشماخي (السير) جـ1 ص49.

(2) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص130، 131/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1130/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص114.

هذا وروى الطبري عن أبي مخنف أن (الخوارج) يزعمون أن عليّاً تاب ثمّ دخلوا الكوفة معه، قال الطبري "ولسنا نأخذ بقولهم وقد كذبوا": (التاريخ) جـ3 ص110. وتبعه ابن الأثير في (الكامل) جـ3 ص329. ولكن ينبغي ها هنا مراعاة أمرين؛ الأول: قول ابن تيمية في الخوارج: "لا يعرف فيهم من يكذب" (التفسير الكبير) جـ1 ص124، وقوله بأن تدينهم أصح لأنهم لا يكذبون (منهاج السنة) جـ2ص197، وقوله فيهم: "ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث" (منهاج السنة) جـ1 ص31. الثاني: أنهم لم يتفردوا بنقل هذا الخبر، فمن أسانيده عند البلاذري: حدثني بكر بن الهيثم حدثنا أبو الحكم العبدي عن معمر عن الزهري: (الأنساب) جـ3 ص129.

(3) / ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص312/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص114.

(4) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص129.

(5) / إسماعيل (قضايا في التاريخ) ص77.

١١٢ / ٤٥٢